إلى أن قال: (ولما تحققت وفاته، وكنت عازماً على الرجوع إليه إذ لا صبر لي كما تقدم عن مرافقته ودوام المثول بين يديه، اختل مني العزم والتدبير، وصرت كمن انقطع به حبل فهوى في قعر بير، وأستغفر الله من كل ذنب وخصوصاً توهم التدبير، فإن الأمر كله لله العلي الكبير، ولا تدبير ولا اختيار ولا تأثير لأحد معه في قليل ولا كثير، ولله دَرُّ شيخنا رضي الله عنه إذ يقول، كما تلقيت من فمه المقبول من ضرب الكامل الثاني الحلو المعسول:
*كِلْ كُلَّ أمرِك للوكيل ولا تكن ** تختار معه فإنه يختار
*كيف اختيارك والمهيمن قد قضى ** لك والعواقب دونها أستار
*قف عندما قد حدو أرض بحكمه ** تظفر بما تهوى وما تختار
إلى أن قال: (ثم بدا لي أن أكتب هنا جميع القصيدة المرثية التي ذكرتها آنفاً أني نظمتها - يشير إلى ما ذكرناه أننا اختصرناه - في رثاء الشيخ حين سمعت بوفاته إذ قد يحب سماعها من محبة الأدب من صفاته، أو تمييز بليغ النظم والنثر من بشيعه وهجينه من صناعته، ولا ريب أن نظمنا ونثرنا من الثاني والعذر أنه جهد من أنفق نفقة بقدر بضاعته، ولا لمز لمن جاد بما وجد، بعد أن جاهد وبذل الجهد وجد، ونصها، وإن رُدّ عند الجهابذة النقاد فصها، فالمرجو من كرمهم أن يمنوا بصفح يخصها:
*سلا هل سلا قلب المشوق عن الوجد ** وعن ندبة الأطلال بالغور والنجد
*وعكف المطى للنئي كآبة ** وولعاً برسم لا يفيد ولا يجدي
*فعز الفؤاد عن سعاد تجملاً ** وعن ندب ربع ما يعيد وما يبدي
*فكم بكت الخنساء صخراً ولم تنلْ ** على طول ما ناحت نقيراً من الردّ
*تعز سليب الدهر عز معادُه ** فلا حيلةً تنجي ولا تحفة تَفْدي
*فيا دهر ماذا القهر لم تبق سوقة ** ولا ملكاً إلا اصطلمت على عمد
*وتعلو العلى جوراً لأخذ بدورها ** كشيخي ابن عبد العزيز أخي الرشد (1)
(1) كذا الشطر الأخير.