ثم إن الشيخ المعطي شيع الشيخ بهدية حسنة، تقبل الله من الجميع كل حسنة، فارتحلنا من عنده بحظ وافر من بركته ووده، ومررنا بأَدَخْسان، بفتح الهمزة والدال وسكون الخاء وإشباع السين، وهو اسم لأرض برابر من أصناف الإنسان، ونزلنا عند بعض من سكنها من سادتنا الشرفاء، أهل الفضل والإحسان ففرحوا بالشيخ فرحاً عظيماً ووهبوا له أسفاراً من كتب نفسية حسان، فاستمر بنا الرحيل والتسيار، حتى بلغنا دار الشيخ بالزاوية العياشية ثم الحمزية ونعمت الدار، وقد حازت تلك الزاوية الحمزية بما منحها الله تعالى من الخيور والبركة كل فضل ومزيّة، وكان الشيخ جدد الله عليه رحمته يقيم بها عاماً لدى زوجته هناك وعاماً بزاويته الزينية لدى زوجته الأخرى وهي الصغرى الطاهرة الزكية، وكان رحمه الله مبرزاً محرزاً قصب السبق في ميادين الكرم وحسن الخلق والتدريس لفنون العلوم، لا يُشقُّ غبارُه في الثلاثة، خصوصاً المجاهدة في التدريس الذي هو فيه رئيس معلوم، كنا نقرأ عليه في اليوم والليلة خمسة عشر نصاباً، من خمسة عشر كتاباً، فيملي علينا تفسيرها كلها من حفظه بفصيح بيانه، وبليغ لفظه، فنأخذ عنه رضي الله عنه الصواب والتحقيق، بالتفهيم والتنكيت والتدقيق، ولقد حضرت مجالس جُلّ علماء مغربنا هذا الأقصى، من أهل فاس ومكناس وتطوان والقصر وسلا والرباط ومراكش، وفحصت عن تحقيقهم فحصاً، فلم أر مثل الشيخ سيدي أحمد بن عبد العزيز الذي يغوص على دقائق المسائل في بحار التحقيق غوصاً، فلا نسأله عن مشكل إلا أسرع فيه جواباً وأملى نصّاً، ولم أر أشد منه على تعليم تلاميذه ونفعِهم حرصاً، كان رضي الله عنه ينفق على تلاميذه ويكسو من احتاج منهم ولا يقبل أن يرى في أحد منهم نقصاً، أجزل الله له الثواب، وأدخله الجنة بغير حساب، وكان يحصّل كل منا معشرَ تلاميذه من العلوم ببركته ما قُسِم له بحسب فهمه ونيته، وكنا نبدأ في القراءة بعد حزب الصبح بنصاب من التفسير، من البيضاويّ أو ذي
المعسول · الصفحة ٢٥٥١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المعسولص ٢٥٥١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي