إن في صاحب الترجمة بين علماء عصره السوسيين لشمائل ظهر بسببها من بينهم فريداً فذّاً منها ما تقدم من نشاط قلمه وخوضه ميادين المباحثات قبولاً وردّاً ومهاجمة ومدافعة وهو في كل ذلك يبرهن بنقوله الكثيرة عن مطالعة خلع لها الوسن عن جفنيه وعن مواظبة لدراسة الفنون المتعددة والكتب المختلفة وسترى في قائمة تواليفه ما يظهر لك بعض ذلك ومنها اعتناؤه بالصنائع اليدوية فلا يكاد يرى شيئاً ألا أحب أن يتقنه فزوال البناء والنجارة والتزويق والتسفير والطباعة نعم والطباعة هذه التي تطبع بها الكتب من غير أن يشاهد آلة لها قط وإنما اهتدى إليها بحذقه
175/5
176/5
كما زاول علم الحيل المسمى الميكانيك وله «كتاب الحيل» والمقصود به ما يعم علم الميكانيك والحيل العقلية وكذلك زوال عمل الرخامات الزوالية وغير ذلك وهو الذي وقف على مصلى مسجد «تاماشت» حتى بنى ، فكان يدور في الكدى حول ذلك المحل، فقال للعملة لا تأتوا إلا بحجر وجدتم عليه علامتي، وكان يعلم الأحجار التي تعجبه صلابة واستواء بفحمة في يده وبيده نجر عود السقف أيضاً في المصلى وهو كما يراه الزائر «تاماشت» الآن وذلك من آثاره الخالدة.
يحكى أن رجلاً مما وراء حاحة قصده لحاجة، وقد كان يعلم من علماء بلاده هيأة عالية في اللباس فوجه فوق حائط يبنى في مباذل البنائين، وقد علته الغبرة وتلطخ بالطين فسأله عن الأستاذ، فقال له: انتظر حتى أدعوه لك فدخل وأماط عنه الغبار وغسل أطرافه وتزيا بلباس فاخر فما كاد القادم يراه بادياً من الباب حتى سقط عليه تقبيلاً وإجلالاً، وقد ذهب عنه أنه هو ذلك البناء نفسه هكذا سمعت هذه الحكاية.