عجباً، ثم عجباً، ثم عجباً بل وألف عجب من أن المغاربة حرموا من قديم الاعتناء ببيوتات العلم والمحافظة على سلسلاتها فهذه ديار كثيرة في المغرب كان ينبغي أن تخلد آثار علماء كل واحد منها تخليداً أبدياً منظماً مبينة درجة كل فرد من أفرادها حتى يكون أبناء الأحقاب الآتية على ذكر من أبناء الأحقاب الغابرة ولكن الإغفال المغربي القديم لا يزال متسلسلاً فينسج على بيوتات العلم كما ينسج العنكبوت على جواهر ملقاة في زاوية مهملة فإذا هبت عليها ريح فزحزحت عن جوهرة منها يستبينها اللامح المدهوش، ثم لا قدرة له إلا أن يتراءى جانباً واحداً من تلك الجوهرة جاهلاً الجوانب الأخرى كل الجهل.
بين يدي الآن من أسماء العلماء اليعقوبيين ما يفوق الستين بكثير- كما رأيته في أول هذه الفذلكة- كلهم تلقوا المعارف وحظوا برفع رايتها في عصور مختلفة ومن بين هؤلاء أماجد كبار فطاحل ينيفون على خمسة عشر ولكن مع ذلك لم استبن منهم إلا ناحية أو ناحيتين في الغالب، وأما النواحي الأخرى فقد نسج عليها عنكبوت الجهل التاريخي حتى لا أقدر إلا ما أن أقف
50/5
51/5 حيران: كيف تأصل الأهمال في علمائنا حتى لا يقدروا إذا تكلموا عن واحد يعرفون عنه الشاذة والفاذة إلا أن يقدموه لنا بكلمات تلغرافية لا تسمن ولا تغني من جوع