إن خزائن الكتب السوسية القديمة كثيرة، ولكن قد عتت على جلها يد الزمان لطول العهد، وبعد مدى الأزمنة الخالية من أصحابها، ولأن غالب أصحابها لم يترك ورثة ممن ينهج طريقه العلمية المثلى، ولا بأس أن نذكر بعض ما رأينا وشاهدنا، أو سمعنا به قديما وحديثا، فالمكتبة الكرسيفية بأمانوز مكتبة جامعة لأنواع الفنون العلمية، وقد ابتدأ جمعها من صاحبها العلامة الولي الصالح شيخ مشايخ وقته بسوس الأقصى السيد أبي يحيى أبو بكر بن نعمان دفين ( تادارت ) بوادي ( تيملت ) بجبال جزولة جد كل كرسيفي وهو من أهل القرن السابع الهجري توفي عام 685هكما تقدم ذكره وهو (1) من أهل الأندلس الراحلين إلى هذه العدوة لما انقرضت أيام عائلته الأموية، لأنه من سلالة أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عن الجميع، واستوطن كرسيف ( تازة ) ثم تحول منتقلا من تلك القرية إلى سوس مع إخوانه وكثير من أقاربه بني أمية، لأمور ضرورية ألجأتهم إلى ذلك، شأن المغلوب عليهم من كل أهل دولة في التفرق والتشعب في الآفاق والأقطار أيادي سبأ، إلى أن وصلوا إلى ( توغزيفت ) ( تعريبها الطويلة ) وهي قبيلة صغيرة في عداد سملالة وترك فيها جل إخوانه، وذهب بعده إلى وادي ( تيملت ) حيث مدفنه الآن، فاشتغل بنشر العلم وبثه وإرشاد الخلق، وتخرج على يده علماء كثيرون من الأقطار الجزولية، وجمع من الكتب شيئا خارجا عن المعتاد في زمانه، مع ما جلبه من بلاد الأندلس من الكتب النفيسة والمخطوطات الفائقة البارعة، وقد أعانه على الحصول عليها أحوال الأندلس وتطورها بتبدل الدولة– اللمتونية التامانارتية السوسية (2) بالدولة الموحدية الهرغية السوسية أيضا أوائل القرن السادس
(1) بل إن الذين جاءوا هم آباؤه، لأن أعمامه وجده كانوا يسكنون قبله بقرية (توعزيفت) بسملالة، كما ذكره محمد بن الحسن منهم، وعبارة هذا الكاتب هنا تخالف ذلك.
(2) سماها تامانارتية وسوسية لأن عبد الله بن ياسين تامانارتي سوسى.