318/3 الليفية في أكفهم، فما أقسى هذه القلوب، وما أقصى الرحمة عنها، إنا لله وإنا إليه راجعون، حتى أن أكثرهم أو كلهم يحصل له الفرح العظيم إذا قيل له مات معلمه أو والده، فيتبدل حزنه سرورا، لما يأمله من دنياه ومعاشه من استراحة، بل كم من معلم يضرب المتعلم حتى تفيظ روحه إلى رحمة الله، كما أن كثيرا من المتعلمين قتل معلمه بمسدس أو خنجر ـأو بندقية، أو غير ذلك رجاء الاستراحة منه، فلينظر العاقل إلى هذه الطامة ما أعظمها، وإلى هذه الداهية ما أعضلها، دماء تسفك من معلم ومتعلم، لماذا؟ وفيماذا؟ للجهل والجفاء والهمجية، بل يتقدم أكثر الآباء إلى المعلم بالضرب المبرح للولد، وإذا مات منه فهو بريء من دمه (1)، حتى صار ذلك ديدنا، وعادة بين الآباء والمؤدبين، فيصير الأبناء بينهما في خطر عظيم، وكل ذلك من أجل اعتقادهم أنه لا يحفظ القرآن إلا من قاسى من أجله العناء الكبير، ولم يعلموا أن الرحمن علم القرآن، ويسره للذكر فهل من مدكر؟ وأنه نور يضعه الله في قلب من يشاء من عباده، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وقد تكلمت مع بعضهم في شأن تعذيب الأطفال المتعلمين، وجدته في بعض المكاتب يفتك بهذا، ويهدد هذا، فزجرته فلم ينزجر، حتى هممت به بعدما سببت وجدعت، وحلفت أنه إن عاد إلى الضرب وأنا حاضر لأنكلن به وإن كان من أهل العلم، فقال: أما سمعت يا سيدي قول الإمام الشافعي رضي الله عنه:
تصبر على مر الجفا من معلم *** فإن رسوخ العلم من جفواته
ومن لم يذق ذل التعلم ساعة *** تجرع كأس الجهل طول حياته
حياة الفتى والله بالعلم والتقى *** إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته
فقلت له تبا له، هل قال أو هل قال: تصبر على مر الموت بدل مر الجفا؟ وهل قال رسوخ الموت بدل رسوخ العلم؟ وهل قال ذل التعلم أو سم الموت؟ فسكت وقال: سامحني يا سيدي والله لا أعود لمثله، فصار ديدنه الرفق بالصبيان إلى آخر عمره.
(1) كثيرا ما يقول الآباء للأستاذ: اقتل وأنا ادفن.