هكذا كانت نواميس العلماء من زمن بني تاشفين في القرن الخامس إلى القرن الرابع عشر تقريبا، فلا يبالون في أحكام الله وأوامره لسلطة سلطان، ولا لشوكة ظالم غاشم شيطان، فأحرى من دونهم، بل هم بالعلم أيمة الخاصة والعامة، أرباب الأحكام والسيوف، والأقلام، وقد سمعت من التاريخ وهو شاهد عدل ما ينبئك عنهم، ( ولا ينبئك مثل خبير ) مما بلغ أعلى رتبة من نفوذهم، ويكفيك الشيخ الإمام العالم الولي سيدي عبد الله بن ياسين المعافري (1) التامانارتي السوسي رئيس دولة لمتونة ومؤسسها ومهديها، التي بلغت في المغارب الثلاثة والأندلس إلى أطراف باريز (2) ما يشهد لما ذكرنا، وكذلك محمد بن تومارت الهرغي السوسي، مهدي دولة الموحدين، الناسخة للدولة المرابطية والتي بلغت أيضا ما بلغت أختها في القرنين السادس والسابع، وأصحاب الدولة السعدية الشريفة التي قامت بالجهاد لنفي رجس استعمار البرتغال في المغرب في القرن العاشر، وغير ذلك من العلماء الذين يثورون خلال تلك العصور على تلك الدول، بما لهم من النفوذ العلمي، وآخرهم هو الشيخ أحمد الهيبة بن الشيخ ماء العينين، إلى أن طم على نفوذهم عباب الاحتلال الفرنسي في أواسط هذا القرن الرابع عشر، فانقرض قريبا من الاحتلال الواقع في جبال سوس عام 1352همن أكابر دهاتهم علما وعملا ونفوذا، ما ينيف عن عشرين ممن تحدثه نفسه بالقيام بالأمر لاستحقاقه، لولا قوة الحماية الفرنسية التي أخذت بمخانق الأرض في الجو والوعر والسهل والبر والبحر، على أنهم جالدوا عساكر الحماية أزيد من عشرين سنة إلى أن ماتوا في حدود الأربعين بعد الثلاثمائة وألف، ومن دهاتهم علما وعملا ونفوذا الفقيه العلامة، الصارم القاطع اللابس من الفضل والورع أفضل لامة، سيدي
(1) هذه النسبة في عهدة المترجم وإلا فقد وقفت على نسب يلتحق بالسملاليين والله أعلم.
(2) لو قال إلى أطراف مدريد (مجريط) لقارب، وإلا فأين باريز مما وصله اللمتونيون في الأندلس.