هكذا ذكر لي عن آبائه، ثم لم أعرف أعلى من هؤلاء، أخذ القرآن عن أساتذة آخرهم سيدي أحمد بن عبد الله أستاذ المدرسة ( الفهمية ) الشهير، وبه تخرج، ثم اتصل بالمدرسة ( الإلغية ) ولم يتجاوزها حتى حصل ما حصل ذكر الأستاذ سيدي عبد الله بن إبراهيم العم أنه من الرعيل المتوسط ممن أخذوا بإلغ أعوام: 1318هوذكر عنه أنه اجتهد وجال في مجالات النجباء، يكب على ما يدرس أكبابا، وفي أخلاقه ما يقضي عليه أن لا يخالط الطلبة كثيرا، لأنه لا يداجي ولا يداهن، ولا يقبل على مهارشة أحد فنفعه ذلك في الإقبال على ما هو بصدده، وفي أخلاقه حزونة غير قليلة، لكنه سليم الطوية، وبعد عقد من السنين، فارق المدرسة بإدراك حسن وتحصيل عال عن الوسط قليلا، ثم ربض بداره مقبلا على أوراد وعبادة اشتهر بها، فنقص بسبب إهماله للمذاكرة مقياس ما أخذه، هذا ما وصفه لي ابن العم حفظه الله، وقد سألت عنه أناسا آخرين، فذكروا لي نحو هذا، وأيدوا لي تلك الحزونة، حتى أن بعضهم ذكر أنه بينما كان يتكلم معه في شأن إذ انقبض فجأة، وانتفض يضرب بيديه لخطرة خطرت بباله، وكذلك إنزواؤه وإقباله على ربه، قد اشتهر عنه إلى الآن، وقد اعتاد أن يؤوي إليه طلبة المدرسة ( الإلغية ) متى جاءوا إلى موسم سيدي عيسى بن صالح، فيكرمهم في داره، ولا يزال على هذه العادة ما أمكن له وكان قليل ذات اليد، وحكى لي إنسان أنه ممن استناروا بالإقبال عل الله فهنيئا له، وإنما ينكر عليه هذا القبوع الذي بسببه تدلت معلوماته، وذلك ما لم يحفز إليه الإنسان بدافع جبري مما لا يجوز للرجال، لأن منفعة الخلق والخير كله، لا يتمان إلا بالمخالطة، وقد قال بعض الإلغيين ارتجالا في ذلك شبه أبيات:
هل الخير إلا في الأنام؟ وبينهم *** يرى المرء كل ما يحب من الخير
فهل يستطيل الذيب إلا على التي *** تقاصت عن المرعى في وسط القفر؟
فصاحب تر الأسرار جمعاء في الآلي *** تصاحبهم أما اجتنبت ذوي الشر 235/3
236/3