تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القصد حمدوا إليه طريقه (1) وبشروه بالنجاة ، ومن أخذ يمينا وشمالا ذموا إليه الطريق وحدروه من الهلكة ، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات ، وأدلة تلك الشبهات ، وإن للذكر لأهلا أخذوه من الدنيا بدلا ، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه : يقطعون به أيام الحياة ، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله فى أسماع الغافلين (2)، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه ، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك ، فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ فى طول الإقامة فيه (3)، وحققت القيامة عليهم عداتها ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ، ويسمعون ما لا يسمعون. فلو مثلتهم لعقلك فى مقاومهم المحمودة (4) ومجالسهم المشهودة ، وقد نشروا دواوين أعمالهم ، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصروا عنها ، أو نهوا عنها ففرطوا فيها ،

(1) أى : نسبوا ما

صدر عنهم إلى تقصير هممهم عن أداء الواجب عليهم ، ولم يحولوه على ربهم ، فجعلوا

الأوزار حملا على ظهورهم ، فاحسوا بالضعف عن الاستقلال بها ، أى : القيام بحملها ،

ونشج الباكى ينشج كضرب يضرب نشيجا : غص بالبكاء فى حلقه ، والنحيب : أشد

البكاء ، وتجاوبوا به : أجاب بعضهم بعضا يتناحبون ، وعج يعج كضرب ومل : صاح ورفع

صوته ، فهم يصيحون من مواقف الندم والاعتراف بالخطأ

(2) تنسم النسيم : تشممه

، والروح بالفتح النسيم ، أى : يتوقعون التجاوز بدعائهم له

(3) الأسى : الحزن

(4) المنادح : جمع

مندوحة ، وهى كالندحة بالضم والفتح والمنتدح بفتح الدال : المتسع من الأرض

نهج البلاغة · الجزء ٢ · الصفحة ٢٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

نهج البلاغةج ٢ · ص ٢٣٨