ولو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام ، وعزة لا تضام ، وملك تمتد نحوه أعناق الرجال ، وتشد إليه عقد الرحال ، لكان ذلك أهون على الخلق فى الاعتبار (1)، وأبعد لهم فى الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النيات مشتركة ، والحسنات مقتسمة ، ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله ، والتصديق بكتبه ، والخشوع لوجهه ، والاستكانة لأمره ، والاستسلام لطاعته ، أمورا له خاصة لا يشوبها من غيرها شائبة وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم ، كانت المثوبة والجزاء أجزل.
ألا ترون أن الله سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم ، صلوات الله عليه ، إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع ، (2) ولا تسمع ولا تبصر.
فجعلها بيته الحرام الذى جعله للناس قياما ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض
(1) دمثة : لينة
يصعب السير فيها والاستنبات منها ، وتقول : دمث المكان دمثا فهو دمث من باب تعب
تعبا فهو تعب إذا لان وسهل ، وقد يخفف المصدر بسكون ميمه. وتقول : دمث الرجل
دماثة ، أى : سهل خلقه. والوشلة كفرحة : قليلة الماء
(2) لا يزكو : لا
ينمو ، والخف : عبارة عن الجمال ، والحافر : عبارة عن الخيل وما شاكلها. والظلف : عبارة
عن البقر والغنم ، تعبير عن الحيوان بما ركبت عليه قوائمه
(3) ثنى عطفه اليه :
مال وتوجه اليه ، ومنتجع الأسفار : محل الفائدة منها ، ومكة صارت بفريضة الحج دارا
للمنافع التجارية كما هى دار لكسب المنفعة الأخروية و«ملقى» : مصدر ميمى من «ألقى»
أى : نهاية حط رحالهم عن ظهور إبلهم
(4) تهوى : تسرع اليه ،
والثمار : جمع ثمرة. والمراد هنا الأرواح ، والمفاوز : جمع مفازة ، وهى الفلاة لا
ماء بها ، والسحيقة : البعيدة ، والمهاوى كالهوات : منخفضات الأراضى ، والفجاج : الطرق
الواسعة بين الجبال ، واجد هافج
(5) «يهزوا»
أى : يحركوا مناكبهم أى : روءوس أكتافهم لله ، يرفعون أصواتهم بالتلبية ، وذلك
فى السعى والطواف. والرمل : ضرب من السير فوق المشى ودون الجرى. والأشعث : المنتشر
الشعر مع تلبد فيه ، والأغبر : من علا بدنه الغبار