المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا ، ومما لك عند الله عوضا ، ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا : قد طامن من شخصه ، وقارب من خطوه ، وشمر من ثوبه ، وزخرف من نفسه للأمانة ، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية (1)، ومنهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه (2)، وانقطاع سببه ، فقصرته الحال على حاله ، فتحلى باسم القناعة ، وتزين بلباس أهل الزهادة ، وليس من ذلك فى مراح ولا مغدى. وبقى رجال غض أبصارهم ذكر المرجع (3)، وأراق دموعهم خوف المحشر ، فهم
أبصارهم عن مطامع
الدنيا خوفا من الآخرة وتذكرا لمعادهم فهؤلاء لا يعرفون عند العامة ، وإنما يتعرف
أحوالهم أمثالهم ، فكأنهم فى نظر الناس ليسوا بناس.
(1) الناد : الهارب
من الجماعة إلى الوحدة ، والمقموع : المقهور. والمكعوم : من «كعم البعير» شد فاه
لئلا يأكل أو يعض ، وما يشد به كعام ككتاب. والثكلان : الحزين
(2) أخمله : أسقط
ذكره حتى لم يعد له بين الناس نباهة. والتقية : اتقاء الظلم باخفاء الحال ، والأجاج
: الملح : أى : أنهم فى الناس كمن وقع فى البحر الملح لا يجد ما يطفىء ظمأه أو
ينقع غلته
(3) ضامزة : ساكنة ،
من «ضمز يضمز» بالزاى المعجمة كنصر وضرب سكت يسكت. والقرحة بفتح فكسر المجروحة
(4) أى : أنهم أكثروا من
وعظ الناس حتى ملهم الناس وسئموا من كلامهم
(5) الحثالة بالضم :
القشارة وما لا خير فيه ، وأصله ما يسقط من قشر الشعير والأرز والتمر وكل ذى قشر
إذا نقى. والقرظ محركة ورق السلم أو ثمر السنط يدبغ به ، والجلم بالتحريك مقراض
يجز به الصوف ، وقراضته : ما يسقط منه عند القرض والجز. وإنما طالبهم باحتقار
الدنيا بعد التقسيم المتقدم لما ثبت من أن الدنيا لم تصف إلا للأشرار. أما المتقون
الذين ذكرهم فانهم لم يصيبوا منها إلا العناء ، وكل ما كان من شأنه أن يأوى إلى
الأشرار ويجافى الأخيار فهو أجدر بالاحتقار
(6) أى : من كان أشد
تعلقا بها منكم