وكيت ، فإذا جاء القتال قلتم : حيدى حياد (1)! ما عزت دعوة من دعاكم ، ولا استراح قلب من قاساكم (2) أعاليل بأضاليل ، دفاع ذى الدين المطول (3) لا يمنع الضيم الذليل. ولا يدرك الحق إلا بالجد ، أى دار بعد داركم تمنعون ومع أى إمام بعدى تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه ، ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب (4)، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل (5)
والناصل : العارى عن
النصل ، أى : من رمى بهم فكأنما رمى بسهم لا يثبت فى الوتر حتى يرمى ، وإن رمى به
لم يصب مقتلا إذ لا نصل له. وهذه الخطبة خطبها أمير المؤمنين عند إغارة الضحاك بن
قيس ، فان معاوية لما بلغه فساد الجند على أمير المؤمنين دعا الضحاك بن قيس وقال
له : سر حتى تمر بناحية الكوفة ، وترتفع عنها ما استطعت ، فمن وجدت من الأعراب فى
طاعة على فأغر عليه ، وإن وجدت له خيلا أو مسلحة فأغر عليها ، وإذا أصبحت فى بلدة
فأمس فى أخرى. ولا تقيمن لخيل بلغك أنها قد سرحت إليك لتلقاها فتقاتلها. وسرحه فى
ثلاثة آلاف ، فأقبل الضحاك فنهب الأموال ، وقتل من لقى من الأعراب ، ثم لقى عمر بن
عميس بن مسعود الذهلى فقتله وهو ابن أخى عبد الله بن مسعود ونهب الحاج ، وقتل
منهم وهم على طريقهم عند القطقطانة ، فساء ذلك أمير المؤمنين ، وأخذ يستنهض الناس
إلى الدفاع عن ديارهم ، وهم يتخاذلون ، فوبخهم بما تراه فى هذه الخطبة ، ثم دعا
بحجر بن عدى فسيره إلى الضحاك فى أربعة آلاف ، فقاتله ، فانهزم فارا إلى الشام
يفتخر بأنه قتل ونهب
(1) يقول : إنه لم
يأمر بقتل عثمان ، وإلا كان قاتلا له ، مع أنه برىء من قتله ، ولم ينه عن قتله أى
: لم يدافع عنه بسيفه ، ولم يقاتل دونه وإلا كان ناصرا له. أما نهيه عن قتله
بلسانه فهو ثابت ، وهو الذى أمر الحسن والحسين أن يذبا الناس عنه