تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بيناتك ، وإنك أنت الله الذى لم تتناه فى العقول فتكون فى مهب فكرها مكيفا (1) ولا فى رويات خواطرها فتكون محدودا مصرفا (2)

** ومنها :

قدر ما خلق فألطف تقديره ، ودبره فأحكم تدبيره ، ووجهه لوجهته فلم يتعد حدود منزلته ، ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته ، ولم يستصعب إذ أمر بالمضى على إرادته (3) وكيف وإنما صدرت الأمور عن مشيئته؟ المنشىء أصناف الأشياء بلا روية فكر آل إليها ، ولا قريحة غريزة أضمر عليها (4) ولا تجربه أفادها من حوادث الدهور (5) ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور ، فتم خلقه وأذعن لطاعته ، وأجاب إلى دعوته ، ولم يعترض دونه ريث المبطىء (6) ولا أناة المتلكئ (7) فأقام من الأشياء أودها (8) ونهج

(1) نهج : عين ورسم

(2) قرائنها : جمع

قرينة ، وهى : النفس ، أى : وصل حبال النفوس وهى من عالم النور بالأبدان ، وهى

من عالم الظلمة

(3) الغرائز : الطبائع

(4) بدايا : جمع بدىء ، أى

: مصنوع

(5) رهوات : جمع رهوة ، أى

: المكان المرتفع. ويقال للمنخفض أيضا ، فهو من الأضداد ، والفرج : جمع فرجة بضم

فسكون وهى المكان الخالى ، يقول : قد فرج الله ما بين جرم وآخر من الأجرام

السماوية ، ونظمها على ذلك سماء ، بدون تعليق إحداها بالأخرى ، وربطها بها بآلة

حسية

(6) لاحم أى : ألصق ، والصدوع

: جمع صدع ، وهو الشق ، أى : ما كان فى الجرم الواحد منها من صدع لحمه سبحانه ، وأصلحه

فسواه ، وذلك كما كان فى بدء خلقه الأرض ، وانفصالها عن الأجرام السماوية ، وانفراج

الأجرام عنها ، فما تصدع بذلك أصلحه الله : «

أولم ير الذين

كفروا أن السماوات والأرض كانتا

رتقا ففتقناهما

»

(7) «وشج» بالتضعيف

أى : شبك من «وشج حمله» إذا شبكه بالأربطة حتى لا يسقط منه شىء ، وتقول «وشجت

الغصون» بالتخفيف أى : اشتبكت ، وتقول : «بيننا رحم واشجة» أى : مشتبكة ، أى : أنه

سبحانه شبك بين كل سماء وأجرامها ، وبين أزواجها أى : أمثالها وقرنائها من

الأجرام الأخرى ، فى الطبقات العليا والسفلى عنها ، بالروابط الماسكة المعنوية

العامة ، وهى من أعظم المظاهر لقدرته

نهج البلاغة · الجزء ١ · الصفحة ١٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

نهج البلاغةج ١ · ص ١٦٤