من مائها ، قد درست منار الهدى ، وظهرت أعلام الردى ، فهى متجهمة لأهلها (1) عابسة فى وجه طالبها ، ثمرها الفتنة ، وطعامها الجيفة ، وشعارها الخوف ، ودثارها السيف (2). فاعتبروا ، عباد الله ، واذكروا تيك التى آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون (3) وعليها محاسبون. ولعمرى ما تقادمت بكم ولا بهم العهود ، ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب والقرون ، (4) وما أنتم اليوم من يوم كنتم فى أصلابهم ببعيد. والله ما أسمعهم الرسول شيئا إلا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه ، وما أسماعكم اليوم بدون أسماعهم بالأمس ولا شقت لهم الأبصار ، ولا جعلت لهم الأفئدة فى ذلك الأوان إلا وقد أعطيتم مثلها فى هذا الزمان. والله ما بصرتم بعدهم شيئا جهلوه ، ولا أصفيتم
(1) يريد أن حالهم
كحال من سبقهم ، وأن من السابقين من اهتدى بهدى الرسول فنجا من سوء عاقبة ما كان
فيه ، ومنهم من جهل فحل به من النكال ما حل ، والامام اليوم مع هؤلاء كما كان
الرسول مع أولئك ، وحال السامعين فى المدارك كحال السابقين ، وليسوا هؤلاء مختصين
بشىء حرمه أولئك ، ولا عالمين بأمر جهلوه ، «أصفيتم» أى : خصصتم ، مبنى للمجهول
(2) الخطام ككتاب
: ما جعل فى أنف البعير لينقاد به ، وجولان الخطام : حركته وعدم استقراره لأنه
غير مشدود. والعبارة تصوير لانطلاق الفتنة تأخذ فيهم مآخذها : لا مانع لها ولا
مقاوم ، وبطان البعير : حزام يجعل تحت بطنه ، ومتى استرخى كان الراكب على خطر
السقوط
(3) روية : فكر ، وإمعان
نظر
(4) الأرتاج : جمع رتج
بالتحريك وهو الباب العظيم ، والداجى : المظلم ، والساجى : الساكن ، والفجاج : جمع
فج ، وهو الطريق الواسع بين جبلين ، والمهاد بزنة كتاب الفراش. والخلق : بمعنى
المخلوق و«ذو اعتماد» أى : بطش وتصرف بقصد وإرادة.
(5) مبتدع الخلق : منشئه
من العدم المحض ، ووارثه : الباقى بعده