تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الواقع أن كلا الفريقين لم يصب كبد الحقيقة في تصوره لموقف الإسلام.

ليس الإسلام فاترا ولا منطويا على نفسه - كما زعم الأقلون - فالدعوة إلى الحق والخير ركن أصيل من أركان الإسلام، والنشاط في هذه الدعوة فريضة مستمرة في كل زمان ومكان؛ يأمر الله نبيه بتبليغ كلامه، وبأن يبذل جهده في هذا التبليغ:

وجاهدهم به جهادا كبيرا (سورة الفرقان: 52)، والقرآن يحرض المؤمنين على هذه الدعوة:

ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله (سورة فصلت: 33)، بل يجعل الفلاح والنجاة وقفا على هؤلاء الدعاة:

ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (سورة آل عمران: 104)،

إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (سورة العصر، الآيتان: 2، 3).

ولكن الإسلام في الوقت نفسه ليس - كما يزعم الأكثرون - عنيفا ولا متعطشا للدماء، وليس من أهدافه أن يفرض نفسه على الناس فرضا حتى يكون هو الديانة العالمية الوحيدة، فنبي الإسلام

صلى الله عليه وسلم

هو أول من يعرف أن كل محاولة لفرض ديانة عالمية وحيدة هي محاولة فاشلة، بل هي مقاومة لسنة الوجود، ومعاندة لإرادة رب الوجود:

ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (سورة هود، الآية: 18)،

وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (سورة يوسف، الآية: 103)،

ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (سورة يونس، الآية: 99)،

إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء (سورة القصص، الآية: 56).

ومن هنا نشأت القاعدة الإسلامية المحكمة المبرمة في القرآن، قاعدة حرية العقيدة:

لا إكراه في الدين (سورة البقرة: 256)، ومن هنا رسم القرآن أسلوب الدعوة ومنهاجها فجعلها دعوة بالحجة والنصيحة في رفق ولين:

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة (سورة النحل، الآية: 125).

على أن الإسلام لا يكتفي منها بهذا الموقف السلمي السلبي - وهو عدم إكراه الناس على الدخول فيه - بل يتقدم بنا إلى الأمام فيرسم لنا خطوات إيجابية نكرم بها الإنسانية في شخص غير المسلمين.

هل ترى أسمى وأنبل من تلك الوصية الذهبية التي يوصينا بها القرآن في معاملة الوثنية التي هي أبعد الديانات عن الإسلام، فضلا عن الديانات التي تربطنا بها أواصر الوحي السماوي؟ اقرأ في سورة التوبة:

وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه (سورة التوبة: 6) ... فأنت تراه لا يكتفي منا بأن نجير هؤلاء المشركين ونؤويهم ونكفل لهم الأمن في جوارنا فحسب، ولا يكتفي منا بأن نرشدهم إلى الحق ونهديهم طريق الخير وكفى، بل يأمرنا بأن نكفل لهم كذلك الحماية والرعاية في انتقالهم حتى يصلوا إلى المكان الذي يأمنون فيه كل غائلة.

ثم هل نرى أعدل وأرحم، وأحرص على وحدة الأمة وتماسكها من تلك القاعدة الإسلامية، التي لا تكتفي بأن تكفل لغير المسلمين في بلاد الإسلام حرية عقائدهم وعوائدهم، وحماية أشخاصهم وأموالهم وأعراضهم، بل تمنحهم من الحرية والحماية، ومن العدل والرحمة قدر ما تمنحه للمسلمين من حقوق العامة «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، شرح سنن النسائي للسندي.

ثم هل ترى أوسع أفقا، وأرحب صدرا، وأسبق إلى الكرم، وأقرب إلى تحقيق السلام الدولي والتعايش السلمي بين الأمم، من تلك الدعوة القرآنية التي لا تكتفي في تحديد العلاقة بين الأمم الإسلامية وبين الأمم التي لا تدين بدينها، ولا تتحاكم إلى قوانينها، لا تكتفي في تحديد هذه العلاقة بأن تجعلها مبادلة سلم بسلم:

وإن جنحوا للسلم فاجنح لها (سورة الأنفال، الآية: 61)،

فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (سورة النساء، الآية: 90)، بل تندب المسلمين أن يكون موقفهم من غير المسلمين موقف رحمة وبر، وعدل وقسط:

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٧١