والعجب أن صاحب النقد نفسه قرر هذا المعنى في غير موضع من كتابه، فوقوف العابد أمام هذه المواد هو أشبه شيء بوقوف العشاق على ديار الأحبة أو على أطلالها ورسومها، لا شغفا بالمكان، ولكن شوقا إلى السكان، وفي وسعنا أن نقول: إن الالتفات إلى أنواع من المخلوقات الصغيرة، باعتبارها مظهرا أو رمزا لهذه القوة العلوية، يتضمن الشعور بأثر تلك القوة في الجلائل بالأحرى، بل المعقول أن الاعتبار بالدقائق لا يظهر إلا في طور عقلي متأخر عن طور الالتفات إلى العظائم الكونية التي «يحس بها كل ذي عينين»، وهو على كل حال دليل على عمق في التأمل، ودقة في الفهم لما في أجزاء الكون المختلفة من شأن عجيب وآيات باهرة «وفي كل شيء له آية».
أما التفرقة بين «المقدس» و«غير المقدس» فإنها، في هذه النظرية، ترجع إلى التفرقة بين «الإلهي» و«الإنساني»، أو بين العظيم الفائق العجيب، وبين العادي المبتذل المطروح؛ ذلك أنه ليس كل ما تقع عليه الحواس سواء في استدعاء الانتباه، واستيقاف النظر، وإيحاء العبرة، واختلاب الألباب، وليس كل الذي تراه أنت بارعا باهرا أراه أنا كذلك، فقد تمر بزهرة أو حشرة، فترى فيها ما يستوقف نظرك، ويأسر قلبك؛ بينما غيرك لا يأبه لها، ولا يستوحي منها أدنى عظة روحية.
وهكذا تنقسم الكائنات في نظر الناس - خاصتهم وعامتهم - إلى ما هو عادي لا يؤبه له، وما هو جليل يذكر بالمعاني الإلهية، ويوحي فكرة «التقديس»، أعني: أنه يبعث في النفس أبلغ معاني الخضوع وأعمق آيات التعظيم
5
لا لهذه الكائنات أنفسها، ولكن لبارئها ومصورها. (1-2) الطبيعة الشاذة العنيفة
يرى العالم الإنجليزي جيفونس
Jevons
أن النظر في مشاهد الطبيعة كان - على الجملة - هو منشأ العقيدة الإلهية، ولكنه يقرر في كتابه «المدخل إلى تاريخ الديانات»
Introduction to the History of Religion
أن الظواهر العادية لا تكفي في إيقاظ هذه الفكرة؛ لأنها لتكرر عرضها على الحواس تألفها النفس، فلا تحتاج إلى التماس تفسيرها، أما الحوادث الأرضية المفاجئة، والعوارض السماوية النادرة، التي يضطرب بها النظام العادي، كالبرق، والرعد، والعواصف، والصواعق، والخسوف، الطوفان، والزلازل، فإن تأثيرها على المشاعر كتأثير دق الجرس، في تنبيه الغافل وإيقاظ الوسنان؛ ذلك أن قد ارتكز في الغرائز البشرية - والحيوانية أيضا - استحالة أن يحدث شيء من لا شيء «حتى إن الطيور والدواب لتفزع عند سماع صوت مزعج، وتلتفت إلى جهة الصوت شعورا بأن له فاعلا»، فكان من الطبيعي أن هذه الحوادث الفجائية الرهيبة تزعج من يشهدها، وتحفزه إلى السؤال عن مصدرها، وإذ كان لا يرى لها سببا ظاهرا، اضطر عقليا أن ينسبها إلى سبب خفي ذي قوة هائلة؛ إذ لا مخرج للعقل من هذه القسمة الثنائية.
على أن جيفونس لا يرى مانعا من أن يكون التأمل في الحوادث العادية والسنن الكونية المستمرة، باعثا أيضا لهذا الشعور؛ ولكنه يرى أن ذلك لا يكون إلا بنظرة ثانية، عند هدوء البال، ونضج الفكر، وانزياح أسباب السهو والغفلة، وعلى هذا يكون شعور الرهبة والخشية أسبق أثرا في التدين من شعور الإعجاب.
لا حاجة بنا إلى التذكير بأن أكثر الأسئلة التي أثيرت بصدد التفسير الأول والأجوبة التي قدمت لحلها، يمكن أن تسري على هذا التفسير؛ لأنهما فصيلتان من نوع واحد.
غير أن هذا التفسير - وقد تفادى من الاعتراض الأول الذي وجه إلى تفسير «ميلر» - قد تعرض لنقد وجيه، أشار إليه ساباتييه؛
6
وهو أن شعور الرهبة والخوف من القوى العلوية لا يكفي وحده لتفسير الفكرة الدينية، ولا بد له من شعور آخر يوازنه ويلطف من حدته؛ ذلك أن الخوف إذا استأثر بالنفس سحق الإرادة، وشل الحركة، وولد اليأس، ومن وقع فريسة للرعب إن لم يتصور إمكان الخلاص لم يفكر في البحث عن عون ينقذه من الخطر الذي وقع فيه، فلا بد لتحقيق الشعور الديني من مقاومة الخوف والرهبة بما يعادلهما من الأمل والرجاء، اللذين يبعثان على الدعاء والتضرع، وهذه هي حقيقة التدين. (2) المذاهب الروحية (المشهورة باسم الحيوية