ومن ذا الذي قال: إن الخشوع أمام روعة الكون، والاتجاه بالتعظيم لصانعه، وهو تلك الانبعاثة الكريمة التي تعطى ولا تطلب، يمكن أن يفسر بذلك الشعور الضارع، شعور الالتجاء لتحقيق مطلب من مطالب الحياة، أو استدفاع ضرر من أضرارها؟
لقد خلط الناقد هنا خلطا واضحا بين نظريتين منفصلتين: نظرية الإعجاب التي نحن بصددها، ونظرية الرغبة والرهبة التي سنعرضها في الشعبة الثانية من المذاهب الطبيعية، فاعترض على إحداهما بالنتائج المترتبة على الأخرى.
على أنه في الحالة التي يكون فيها الباعث على العبادة هو الشعور بتلك الحاجة، والتي يتحول فيها معنى العبادة من التسبيح والتقديس إلى التماس الحماية - نقول إنه حتى في هذه الحالة - لا يجعل العابد من عبادته وسيلة يقينية للحصول على مأربه، كأنها عملية حسابية، أو قياس منطقي، أو تجربة مفروغ منها لا بد أن تؤتي ثمرتها؛ لأن التدين ينطوي دائما على اعتقاد أن القوة المتوجه إليها لا تصدر في تصرفاتها إلا عن مشيئتها المستقلة؛ ولذلك نلاحظ في توجهاته شعورا مزدوجا، هو مزيج من الاستسلام والرضى بما يقع، ومن الأمل والرجاء فيما يتوقع.
وإذا كان اللاعب المغامر لا يعد نفسه فاشلا لمجرد تكرر خسارته، ولا ييأس من مؤاتاة الحظ له بالربح في فرصة قريبة أو بعيدة، فالمؤمن أحق بتنحية عوامل اليأس من حسابه، وإرخاء حبل الأمل لنفسه إلى آماد بعيدة في حياته أو بعد مماته، بل المؤمن الصادق حين يلتجئ إلى ربه، ويناجيه برغائبه ومخاوفه، يجد في هذه التوسلات والدعوات نفسها شفاء وراحة هو عليهما أشد حرصا منه على موضوع شكواه، وحسبه أنه في هذه الانبعاثة يعبر تعبيرا واعيا صادقا، بأقواله وأفعاله وأحواله، عن مبلغ إدراكه للحقائق، ومدى شعوره بالتفاوت بين ضعف المخلوق وقوة الخالق، وأنه بذلك الإدراك وهذا التعبير يحقق المهمة العليا للإنسان في هذه الحياة، فسواء عليه بعد ذلك أن تصادف دعوته قبولا أو ردا، فقد أصاب من قبل حاجته الكبرى بهذا الخضوع الذي هضم به كبرياء نفسه، ووضع به كل شيء في موضعه، وبهذه العبودية التي أتم بها تصفية روحه وإنضاج فطرته، وتلك هي قرة عين المؤمنين، والهدف الأسمى للمتعبدين.
بقي الاعتراض بأنه لو كان منشأ الدين هو النظر إلى جمال الطبيعة وجلالها، لكان يجب أن يوجه التقديس أول كل شيء إلى القوى الكونية العظمى: إلى الشمس، والقمر، والبحر، والجبال، والرياح، وأشباه ذلك؛ لا إلى محقرات الأمور من أنواع النبات والحيوان، والمفروض أن عبادة هذه أقدم من تلك فيما يزعم المعترض.
لقد أشرنا من قبل إلى أن البحوث التاريخية والتنقيبات الأثرية في هذه المسألة قد أدت إلى نتائج متعارضة، لا يمكن الركون إلى واحدة منها بصفة نهائية، وأن المرحلة التي ظن هذا المعترض أنها أقدم ما يمكن الوصول إليه قد جاوزها كثير من الباحثين، واكتشف وراءها ظاهرة أسبق من كلتيهما، تكون ذات صبغة دينية مختلفة عنهما. أصبح الاعتماد على التاريخ والآثار هنا اعتمادا على جرف هار، عرضة للتغيير والتبديل دائما، كلما ظهر اكتشاف جديد، كما بينا أن حجج القائلين بأسبقية العقائد السليمة وأقدمية عبادة الخالق الأكبر، وإن كانت لا تصل إلى درجة اليقين العلمي الاستقرائي إلا أنها من الوجهة النظرية أقوى من مقابلتها.
فإن كنت لا تزال على ذكر مما سبق في تحديد معنى الدين، فسوف تأخذ على صيغة الاعتراض شيئا آخر وهو إسنادها العبادة إلى الطبيعيات نفسها إسنادا فيه كثير من التجوز؛ فقد قرر مؤرخو الأديان أن الماديات والحسيات، علوية كانت أو سفلية، لم تكن يوما ما هي المقصودة بالعبادة الحقيقية، وإنما كان تقديسها بطريق التبع والمجاورة: إما لأنها تعد مهبطا ومزارا لقوى خفية علوية، وإما لأنها تعتبر رمزا لتلك القوى، أو تصويرا مجسما لصفاتها وأفعالها.