تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان الإعجاب بالأثر الفني البارع، يحمل الإنسان بفطرته على التساؤل عن الفنان الذي أبدعه، ويحفزه إلى التوجه بفكرته إليه، سواء أعرف شخصه أم لم يعرفه، ليعبر له عن هذا الشعور والتقدير، أليس الإعجاب ببدائع الملكوت أحق بأن يتحول إلى مناجاة مبدعه، والإفضاء إليه بعبارات التبجيل العميق والتقديس البليغ؟ وهل العبادة في جوهرها ولبها إلا ذلك؟

ألا وإنك لو أخذت تحلل هذه المناجاة الخاضعة، لوجدتها تنطوي بالضرورة على عنصرين جوهريين: فهي تفترض أولا: أن الشيء الذي تتوجه إليه أهل لأن يستقبل حديث من يناجيه. وتفترض. ثانيا: أنه أسمى مقاما وأكمل صفة من الإنسان؛ لأنه يستطيع ما لا يستطيع الإنسان، فلا يمكن - والحالة هذه - أن يكون مادة صماء عمياء، لا تحسك ولا تراك، ولا تسمع نجواك، وإلا لكان المعبود محروما من مزايا الحياة والعقل والشعور التي يتمتع بها عابده، وهو قول متناقض يهدم نفسه.

هكذا تتولد العقيدة الإلهية، والحركة العبادية، من تزاوج مبدأين نفسيين: أحدهما غريزة عقلية؛ وهي غريزة التطلع لفهم الطبيعة، والثاني حاسة وجدانية؛ وهي حاسة التذوق الفني لما في الطبيعة من جمال وجلال.

وإن مما يؤيد القول بأن فكرة التأليه وليدة هذه النظرة في الطبيعة، أن الارتباط بين هذا الإحساس الكوني، وهذا الإحساس الديني، تثبته التجارب النفسية المتكررة في كل الأمم وفي كل العصور،

تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور * الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير .

1

ولذلك لا يزال هذا التفسير من أصح التفاسير وأقواها، على الرغم مما وجه إليه من اعتراضات.

الاعتراضات على هذه النظرية

استبعد بعض الناقدين أن يكون النظر في صحيفة الكون سببا في إيقاظ هذا الشعور الديني العميق؛ فقال: إن استمرارها على نسق واحد يجعلها أمرا مألوفا، لا يلفت النظر، ولا يحتاج إلى تعليل، وعلى فرض أنها تبعث الدهشة والخشوع في نفوس المفكرين، فليس لها هذا الأثر في تلك العقول الساذجة

2

التي تزعم أنها قادرة على تغيير قوانين الطبيعة، وأنها تستطيع - بوسائل خاصة - أن تستثير الرياح، وتستنزل الأمطار ... إلخ، ويضيف هذا الناقد أن العقيدة الدينية نفسها تقرر هذا المعنى في عقول أهلها، حيث تعلمهم أن «قوة الإيمان تزحزح الجبال»، وهكذا تكون العقيدة مستمدة من روح العظمة والقدرة في مواجهة الطبيعة، لا من روح الضعف والخضوع أمامها.

3

قال: ولو كان باعث العقيدة هو الضعف أمام الطبيعة، والتماس الطريق لاجتلاب خيرها، واتقاء شرها؛ لكانت الديانات كلها ضربا من الخرافة؛ لأنه ليس بالدعاء والصيام وتقديم القرابين ونحو ذلك يكون استدرار الأمطار، وإجراء الأنهار، واتقاء الحر والبرد، والجوع والعري، والفقر والمرض، وقد أثبتت التجربة فشل هذه الوسائل في غالب الأمر.

ومن جهة أخرى: لو كان مبعث العقيدة هو المشاهد الكونية، وهدف العبادة هو استرحام الطبيعة؛ لما استمر الإنسان على التدين، بعدما ظهر له أنه محاولة عابثة، وإذ إن الديانات لم تنقطع يوما ما، ولن تنقطع عن الجماعة الإنسانية، فلا بد أن يكون لها منشأ وهدف آخرين، على أننا إذا استطعنا تفسير عبادة القوى الطبيعية العليا بشعور الانبهار أمام مظاهرها، فكيف نفسر عبادة الأحجار، والأشجار، والحشرات، وتافه الأشياء التي لا توحي مثل هذا الشعور؟ وأخيرا كيف نفسر بذلك ما في الأديان من الفصل التام بين الأمور المقدسة والأمور العادية؟

هذه هي خلاصة النقد الذي وجهه دوركايم

4

إلى نظرية التدرج من الشعور الكوني إلى الشعور الديني.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٤٤