غير أنه لما كانت الديانة بمعناها الحقيقي لا توجد إلا حيث يوجد اعتقاد بكائنات حية عاقلة، فعالة، يتوجه إليها بالعبادة؛ لزم السؤال عن سبب هذا التطور الفكري: من النظر في مشاهد الطبيعة، إلى التفكير في تلك الكائنات الروحية.
يجيب ماكس ميلر بأن هذه من أثر اللغات نفسها؛ لأنها في العادة تنسب لكل ظاهرة فعلا يشبه أفعال الإنسان، فنحن نقول: إن النهر «يجري»، والشمس «تطلع»، والهواء «يئن أو يزمجر»، والنار «تشهق أو تزفر» إلى غير ذلك. فهذه التعبيرات التي كانت في أصلها تعبيرات مجازية تشبيهية، طال بها الأمد حتى أخذت على حقيقتها؛ فصارت هذه العناصر نفسها تأخذ في الأذهان صورة الكائنات الحية المفكرة، ومن هنا نشأت عادة تمثيل الأفلاك والعناصر في رموز مجسمة على صورة الحيوان أو الإنسان، ولعب الخيال في ذلك دورا هاما: فكان تارة يرمز إلى الأشياء المتعددة التي يجمعها اسم مشترك باعتبارها حقيقة واحدة تتحول من نوع إلى نوع، وهكذا ...
هل نحن بحاجة إلى تذكير القارئ بأن هذه المحاولة التي قد تنجح في تعليل الأساطير والمثل، لا تصلح تفسيرا للأديان؟
لقد اعترف ميلر بأن العقلية التي تتصور العناصر بصورة الحيوان المفكر عقلية مريضة، أوقعها الوهم والخيال في حبائله حتى وصل بها إلى درجة الخبل والهذيان .
ونزيد نحن أنها في الوقت نفسه ليست عقلية دينية - كما يعلم مما أسلفناه في تحديد معنى الدين - وأنه اعتقاد في «روح» مستقلة تسيطر على الطبيعة لا في «نفس» محصورة في الطبيعة، مسايرة لها.
فالصواب في تفسير هذه النقلة الفكرية، من المادة إلى الروح، أنه انتقال من الكائن إلى المكون، وهو انتقال معنوي طبيعي من غير حاجة إلى توسط اللغات. فكما أن الناظر في جمال أثر فني لا يقدر أن يمنع نفسه من التفكير في ذوق الفنان؛ والناظر في دقة الآلة المركبة ينتقل فكره توا إلى مهارة المهندس، كذلك التأمل في عظمة البدائع الكونية ينساق بطبيعته إلى التفكر في عظمة القوة العاقلة التي تدبرها.
وإذا كانت تلك النظرة الأسطورية «التي تستنطق الجماد وتعتقد أن في جوفه روحا عاقلة» ليست عقلية ولا دينية، فهذه النظرة الاستنتاجية - على عكس ذلك - دينية منطقية معا؛ ذلك أن العقل الإنساني لا يكاد يتصور أن جمادات لا روح فيها ولا شعور يمكن أن تتحرك بنفسها وتنتقل في أوضاع منظمة، بين أجرام أخرى متحركة بحركات منظمة مباينة لها على أبعاد محددة، وبطريقة مؤدية إلى غايات معقولة، من غير أن تكون مدفوعة مباشرة أو من طريق غير مباشر، بشيء ذي إرادة وشعور، يحركها وينقلها في تلك الأوضاع، على حساب ثابت دقيق.
قدر في ذهنك بيتا منسق البنيان، فاخر الأثاث والرياش، قائما على جبل مرتفع، تكتنفه غابة كثيفة ... وقدر أن رجلا جاء إلى هذا البيت، فلم يجد فيه ولا حوله ديارا ولا نافخ نار ... فحدثته نفسه بأنه عسى أن تكون صخور الجبل قد تناثر بعضها، ثم تجمع ما تناثر منها ليأخذ شكل هذا القصر البديع، بما فيه من مخادع ومقاصير، وأبهاء ومرافق، وأن تكون أشجار الغابة قد تشققت بنفسها ألواحا، وتركبت أبوابا وسورا، ومقاعد ومناضد، ثم أخذ كل منها مكانه فيه، وأن تكون خيوط النبات، وأصواف الحيوان وأوباره، قد تحولت بنفسها أنسجة موشاة، ثم تقطعت طنافس، ووثائر، وزرابي، فانبثت في حجراته واستقرت على أرائكه، وأن المصابيح جعلت تهوي إليه بنفسها من كل مكان فنشبت في سقفه زرافات ووحدانا ... ألست تحكم بأن هذه حلم نائم، أو حديث خرافة، قد أصيب صاحبه باختلاط في عقله؟ فما ظنك بقصر ... السماء سقفه، والأرض قراره، والجبال أعمدته، والنبات زينته، والشمس والقمر والنجوم مصابيحه؟ أيكون في حكم العقل أهون شأنا من ذلك البيت الصغير؟ أولا يكون أحق بلفت النظر إلى بارئ مصور، حي قيوم، خلق فسوى، وقدر فهدى؟