تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فليس يكفيك لكي تحيط بالشيء خبرا أن تعرف نشأته دون أن تعرف مصيره، ولا أن تعرف كيف كان؟ دون أن تعرف لم كان؟ أليست هذه المطالبة النفسية الحثيثة دليلا على ما هو مركوز في الجبلة من الاقتناع بأن الحوادث الكونية تسير على خطة مرسومة، وأن القوة المدبرة للأشياء تهدف منها إلى غاية معينة، أو أنها لا تسير بمحض المصادفة العمياء والاتفاق التحكمي؟

فانظر الآن موقف العلوم الحديثة من هذه الضرورة العقلية التي تلح علينا في السؤال عن غايات الأشياء ومقاصدها:

لقد أتى على هذه العلوم زمن أعلنت فيه أنها نفضت يدها من هذا البحث، وأنها أوصدت دونه بابها، مدعية أنه إنما يعنيها اكتشاف علاقة السببية بين الظواهر، ومعرفة اطرادها على نسق معين؛ وليس يعنيها، بل ليس يدخل تحت قدرتها، أن تتبين: أهذا الارتباط مقصود لغاية؟ ولا ما هي تلك الغاية؟

وهكذا شهدت هذه العلوم على نفسها بادئ ذي بدء بأنها لن تفي بحاجات العقول، ولن تؤدي رسالة المعرفة كاملة؛ إذ أزمعت أن تقف منها في منتصف الطريق، على أنها لم تكن لتدوم طويلا على هذا الموقف المحايد؛ فإن العالم الطبيعي لا يستطيع بما هو إنسان أن يهمل هذا الجانب من مطالبه العقلية، ولذلك نراه كلما وصل به العلم إلى مجموعة من الظواهر المتساندة التي يخدم بعضها بعضا والتي يقع كل منها في موضعه الذي كان لا بد منه للحصول على فائدة معينة؛ يعود قهرا عنه إلى البحث في العلل الغائبة من غير أن يسميها باسمها، فيسأل عن كل خلية في العضو، وعمل كل عضو في الجهاز، وعمل كل جهاز في الجسم ... إلخ. ويسمي هذه الأعمال بالوظائف، بدلا من اسم الغايات والمقاصد، وهو - كما ترى - برقع شفاف لا يكاد يستر ما وراءه، والمهم عندنا ليس هو الأسماء، وإنما هو تلك الحقائق التي يعترف بها اعترافا عمليا صامتا، والأهم من ذلك هو أن هذا العلم كلما جد في سيره لا يلبث أن يجاوز بضع خطوات حتى يقف عجزا واعترافا بأن أمامه ستارا كثيفا يحول دون منظر الغايات القصوى، والنهايات الأخيرة، التي لا يزال يتشوف إليها ولا يدركها. (6) الاعترافات العلمية

وبعد، فأي شيء أكبر شهادة على أن نهاية العلم البشري ليست هي إطفاء غريزة التدين، بل زيادة إشعالها، من أن مؤسس الفلسفة الواقعية وكبار أنصارها قد انتهوا إلى الاعتراف صراحة أو ضمنا بهذه الحقيقة، بناء على تجربتهم في أنفسهم، فهذا كونت

A’Comte

الذي كان يتنبأ بأن فناء الديانات سيكون هو النهاية الحتمية لتقدم العلوم، قد عاد في آخر أمره متصوفا عجيبا، وكلل حياته بوضع ديانة جديدة، طبعها على غرار النظام الكنسي للديانة الكاثوليكية: في عقائدها، وطقوسها، وأعيادها، وطبقات قساوستها ... رواية كاملة أعاد فصولها، ولم يغير إلا أشخاصها.

وهذا سبنسر

R. Spencer

ينتهي بأن يقول عن «المجهول»: إنه «تلك القوة التي لا تخضع لشيء في العقول؛ بل هي مبدأ كل معقول، هي المنبع الذي يفيض عنه كل شيء في الوجود.» أليس هذا «المجهول» هو بعينه موضوع الديانات، يجيئنا الآن باسم آخر على لسان العلم؟

وما أجمل الصفحة التي كتبها ليتريه

Littre

يصف نفسه حين كانت خاتمة مطافه في العلوم الواقعية أن رأى نفسه محوطا من كل جانب ببحر لجي من الأسرار الغامضة، وهو لا يملك سفينة يخوض بها لجته، وليس معه إبرة يتعرف بها وجهة سفره ... ترى كيف كان موقفه بإزاء هذا المحيط الرهيب؟

أتراه وقف أمامه وقفة الشاعر الهائم، أو وقفة العاشق المتدله؟ كلا، ولكن وقفة الناسك، الخاشع، المتأله.

7

الفصل الثالث

| ينابيع النزعة الدينية في النفس البشرية

(1) نزعة التدين امتداد لقوى النفس الثلاث

ما هذه إذن تلك القوة الغلابة، التي لا تزيدها المقاومة إلا عنفا واشتعالا، والتي تقهر في النهاية أنصارها وأعداءها على السواء؟ أليست هي قوة الفطرة التي إن تورق وتثمر كلما عاودها الربيع فبلل ثراها وسقى أصولها؟ بلى! وإن هذا الربيع قد تكفي منه قطرة، وربما تبلور في نظرة، فما هي إلا طرفة من تأمل الفكر، أو لحظة من يقظة الوجدان، أو أزمة من صدمات العزم ... فإذا أنت تسبح بخيالك في عالم الغيب الذي منه خرجت، أو في عالم الغيب الذي إليه تصير. (1-1) قوة الفكر في التطلع إلى الأسباب الأولى

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٣٤