تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل نقول بلسان علوم الطبيعة نفسها: إنه لم يوجد ولن يوجد فيها قانون عام واحد يعتمد على منهج تجريبي يقيني شامل؛ ذلك أنه مهما تتكرر التجربة، وتتنوع الأمثلة، فإنها كلها أحداث معينة تقع في أزمنة معدودة، وأمكنة محدودة، ويظل بين جملتها وبين منطوق القانون الكلي، الذي لا يحده زمان ولا مكان، برزخ عريض يفصل ما بين «النهائي» و«اللانهائي»، وإنه لكي يسد العلم هذه الفجوة يلجأ دائما إلى «وسيلتين» من الرفو والترقيع، ينسج خيوطهما من مقايسة ذهنية تعتمد على محض الظن والتمني: أما في «أولاهما» فإنه يمد بين كل معلمة ومعلمة من معالم التجربة الفعلية جسورا وهمية قصيرة

Interpolation

يفترض فيها أن الحلقات المفقودة التي لم تسجلها المشاهدة تنتظم في سلك مع الحلقات التي سجلتها، وأن السلسلة المؤلفة منهما تمتد في خط متصل مستقيم، أو هو على الأقل أقرب إلى الاستقامة وأبعد عن التعرج والالتواء، وأما في «أخراهما» فإنه من وراء تلك السلسلة كلها يثب في عالم الغيب الزماني والمكاني وثبة هائلة

extrapolation

يفترض فيها أن المناطق التي لم ير منها شيئا شبيهة بالمنطقة التي رأى بعضها، وأن ما سيكون شبيه في الجملة بما كان، لا جرم أن قانونا هذا مبلغه من الارتكاز على الواقع المشاهد - وكل قوانين العلم الطبيعي كذلك - هو عالة في قانونيته نفسها على نوع من الإيمان العقلي بتلك المقدمات المفروضة التي لا تزال تضيف إلى شهادة الحس وقعا أغلظ منها غريبة عنها، حتى تبرزها في ثوب العموم والشمول.

ثم نقول بلسان العلم الأعلى - أعني: علم قوانين المعرفة والفكر - إن كل تفسير للآثار بأسبابها الطبيعية يحمل في نفسه جرثومة نقصه وعجزه، ولا يمكن أن يصل إلى حد الإقناع الشافي إلا إذا اقتلع قانون التفكير من جذوره؛ ذلك أنه لو كان صدور الأثر انبثاقا طبيعيا من سببه لوجب أن يكون وجوده مجرد امتداد لهذا السبب، ولوجب إذن أن يشبهه في كل شيء، حتى إن أدنى اختلاف بينهما في الطبيعة، أو الكم، أو الكيف، يصبح مجالا لسؤال جديد لا يحير التفسير الطبيعي له جوابا.

بل إن مجرد اختلافهما في الزمان أو المكان يجعلنا نتساءل: لم كان هذا قبل، وذاك بعد؟ أو لم كان أحدهما عن اليمين، والآخر عن الشمال؟ ... فإذا جرينا إلى نهاية الشوط، وجب أن يئول الكون أمامنا إلى وحدة لا تعدد فيها، أو إلى نقطة لا امتداد لها، وأن تمحى من أذهاننا فكرة الغيرية، ولا يبقى فيها إلا مبدأ العينية ... لكن الفكر نفسه لا حياة له إلا في التعدد والاختلاف؛ إذ هو حركة بين حدين أو جملة حدود، يصل بينها أو يفصل ... هكذا توقعنا التفسيرات الطبيعية بين نارين: فهي إما أن تقف بنا معترفة بعجزها وإفلاسها وتتركنا ظمأى لا تنقع لنا غلة؛ وإما أن تسعى إلى الوفاء والكمال حتى تفضي بنا إلى الإحالة والخلف، ألا وإنه لا مخرج للعقل من هذا الخلف والتناقض، ولا سبيل في الوقت نفسه إلى شفاء النفس من هذا العي إلا بتجاوز تلك التفسيرات الآلية الخالصة، والتماس سبب إرادي مفحم، تكون له الحرية في اختيار هذا التفاوت بين الأسباب ومسبباتها.

وهكذا تلتقي العلوم العقلية والطبيعية - العملية منها والنظرية - على الاعتراف بأنها في استقصاء البحث عن أصول الأشياء ومبادئها تنتهي دائما بالانتصار لقضية الغيب، وتفسح بيدها المجال لبقاء الأديان وخلودها.

على أن العلوم في هذا الاتجاه الذي وصفناه إنما تعمد إلى أحد طرفي المحور مستدبرة طرفه الآخر؛ وإنما تحاول إرضاء نصف حاجة العقل، مهملة نصفها الثاني؛ ذلك أن النفس الإنسانية ليس يشفيها في تفهمها للأشياء أن تصعد إلى أسبابها ومقدماتها، بل لا بد لها بعد ذلك من أن تنحدر معها إلى غايتها ونهاياتها، وتستفسر عن مقاصدها وأهدافها.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٣٣