على أن غموض تاريخ مؤسسي الديانات، وعدم تحديد العصور والملابسات التي ظهرت فيها كتبهم ليس قاعدة عامة؛ فهذا تاريخ الإسلام ونبيه وكتابه غض طري، كأنه ولد أمس، وعلماء أوروبا يعترفون بذلك ويعلنونه في إنصاف وصراحة. غير أنهم يعدونه استثناء من قاعدة الأديان، لكن الحقيقة أن القدر الذي يصح عده استثنائيا في الإسلام من هذه الناحية هو درجة الوضوح التاريخي ومتانة الأسانيد المتصلة لكتابه في جملته وتفصيله، أما الوجود التاريخي لزعماء الأديان ومجمل دعوتهم، فهذا قدر مشترك بينه وبين كثير من الملل، حتى لو سلمنا أنه استثناء، فقد أصبح الفارق الذي يزعمونه بين نشأة الدين ونشأة الفلسفة غير صحيح على عمومه.
وكما أن الديانات بعد تأسيسها تميل إلى الثبات والاستقرار بين الشعوب حتى يقوم فيها مجددون أو مصلحون، فكذلك تعاليم الفلسفة ومقررات العلوم، حتى الرياضيات والطبيعيات نفسها، مالت إلى الركود في كثير من القرون. والتجديد في كلا الميدانين يلاقي مناهضة شديدة، وكم من الاختراعات والاكتشافات الحديثة عدت جنونا من مدعيها حتى في الأوساط السياسية والعلمية.
أما حديث المظاهر الاجتماعية في شعائر العبادة، فإنه ينطبق حقيقة على الأديان العامة التي استكملت عناصرها وفروعها؛ ولكنه لا ينطبق على الأديان الفردية، التي لا تعدو أن تكون وجدانا غامضا أو عقيدة مبهمة تتجمجم في الصدر، ولا يحسن صاحبها التعبير عنها بشعار خاص، وقد رأينا مثلا من ذلك في أديان الحنفاء؛ ولا نزال نرى أمثالهم في كل أمة من ذوي الفطر السليمة، الذين لم تصل إليهم تعاليم الأديان الصحيحة، ولم يعجبهم ما في بيئتهم من العقائد الزائغة، والعوائد المنحرفة، ولكنهم في الوقت نفسه لم يصلوا إلى تحديد وضع معين يتخذونه شعارا لعقيدتهم، فهؤلاء غرباء في قومهم، لا يجد الواحد منهم في نفسه حافزا على الاجتماع بغيره - لأن كل واحد منهم أمة وحده - فضلا عن أن يتفقوا بعد ذلك على نشيد واحد وحركات واحدة يجعلونها شعارا ظاهرا لعقيدتهم، بل نقول: إن حديث الشعائر والمظاهر لا ينطبق على كل الأديان الشعبية. فهذه البوذية الأولى يقولون: إنها لم تكن تعرف إلا العزلة التامة والتفكير العميق، بعيدا عن كل الرسوم والأوضاع العملية. وعلى نقيض ذلك رأينا بعض الفلاسفة «مثل أوجست كونت»، يجهزون مذاهبهم الفلسفية بكافة النظم والشعائر المعروفة في الديانة المعاصرة لهم، وهكذا نرى التفرقة المذكورة لا تستقيم طردا ولا عكسا. (3-5) رأينا في حقيقة الفرق بين الدين والفلسفة
بقيت التفرقة بين الدين والفلسفة بأن الفلسفة لا تعيش إلا في جو الحرية، وأن الدين لا يقوم إلا على السلطان والنفوذ، فهذا قول سديد في الجملة لا على الإطلاق. وهو - إذا استفصل عن معناه - يفتح أمامنا الباب لتقرير الفروق الصحيحة بين هاتين الحقيقتين:
ذلك أنه إن كان المقصود قيام الدين دائما على سلطان الدولة ونفوذها، فهي دعوى باطلة؛ إذ إننا نعرف ديانات كثيرة عاشت ونمت في ظل الرفق والتسامح، بعيدا عن كل حكم وسيطرة، والبوذية أوضح مثال على ذلك، بل المسيحية والإسلام - في أول عهدهما على الأقل - قاما على احترام حرية الضمير، وعدم الإكراه في الدين، كما أننا نعرف عهودا تطاولت فيها الفلسفة إلى مقام الحكم، وتسلحت لمطاردة أعدائها وإخضاعهم.
وإن كان المقصود اعتماد الدين على السلطان الأدبي للمجتمع، بمعنى: أن الحياة الاجتماعية من شأنها أن تطبع الأفراد بطابع واحد، وأن تجعل منهم وحدة متجانسة التفكير، متشاكلة العوائد والعقائد، بحيث يعد الشاذ عنها مذموما منبوذا، فهذا إن صح - إلى حد ما - في الجماعات «البدائية» المحصورة في نطاق ضيق، لا يسري حكمه على سائر المجتمعات؛ فنحن نرى الأمم والشعوب في كل عصر تضم تحت أجنحتها العقائد المختلفة، والنظم المتفاوتة، ولا يحول ذلك دون تعاون الجميع في مرافق الحياة العامة، وتساندهم في الواجب الوطني المشترك.