أما علماء الغرب اليوم فيرون الفرق بين الدين والفلسفة من الوجوه الآتية: (1)
مشاكل الفلسفة يناط حلها بالأفذاذ من ذوي العقول الراجحة، بينما مسائل الدين - في زعمهم - تحلها الشعوب والجماهير، قالوا: ولذلك كانت نشأة الأديان، وحياة واضعيها، والظروف التي ألفت فيها كتبها؛ غامضة مدفونة في ظلمات التاريخ، ولا كذلك الآثار الفلسفية. (2)
الدين يرثه الشعب عن أسلافه، والفلسفة يستمدها الفيلسوف من عقله ومن ملاحظاته الشخصية، ولو خالفت العقائد الموروثة. (3)
الفلسفة متجددة، والديانة تميل إلى الثبات وعدم التطور؛ لأن الجماعات لا تقبل أن تغير عقيدتها كل يوم، أو أن تعيد النظر فيها من جديد، ولا سيما إذا كان كتاب العقيدة مفروضا فيه أنه كلام الرب المعبود. (4)
الديانة لها في المجتمع مكان الصدارة؛ لأن لها الأسبقية وتقادم العهد، الذي مكن لها من الرسوخ في القلوب؛ لأنها عقيدة الجمهور، وفي متناول عقليته. (5)
الدين لا يستغني عن مظهر اجتماعي، في حفلات يومية، أو سنوية، أو موسمية، يوثق بها الأفراد أواصرهم الطائفية، كما أن الفكرة الدينية بحاجة إلى التجسد في صور معينة، ورسوم محددة، يجدد بها المتدين عهده بعقيدته، التي هي دائما عرضة للنسيان، من جراء المشاغل الحيوية المادية، بينما الفلسفة لا حاجة بها إلى هذه المحافل؛ لأن عقيدة الفيلسوف حاضرة في نفسه في غالب الأمر، كما أنها لا يصح أن تتمثل في رسوم عبادة معينة؛ لأنه لا شيء من تلك الصور المحددة يفرضه العقل فرضا، بحيث يكون الخروج عنه شذوذا في التفكير، ولو التزم الفيلسوف شيئا من هذه الأوضاع الخاصة، وجعله شعارا لفلسفته لخرج إلى ضرب من الهزل والمجون، حري أن يسخر منه. (6)
الديانة تعيش بسلطان ونفوذ كنفوذ الدولة، والفلسفة لا تعيش إلا في جو الحرية. (3-4) مناقشة هذه الآراء
الناظر في هذه الفروق يرى أنها - في جملتها - لا تصور الديانة والفلسفة في كل الأدوار التي مرت بهما، بل تصفهما في حالتهما الحاضرة، وفي أوروبا المسيحية على وجه أخص، فهي تصور لنا الأديان الموروثة عن السلف في حالة استقرارها وثباتها، بعد أن أصبحت عقيدة للجمهور، وصارت جزءا من تاريخه، يحف بها جلال الماضي، ويحوطها سلطان الكنيسة، وقد بعد عهدها بتاريخ نشأتها الغامض، ثم تصور لنا الفلسفة بازغة في عقل الفيلسوف، مطبوعة بطابع عقله ونزعاته وأحاسيسه، طليقة من كل قيد، تستطيع أن تلبس كل يوم ثوبا جديدا.
ولا ريب أننا حين نعقد المقارنة هكذا في ملابسات متباينة، نحصل على صورتين متفاوتتين: فالديانات تبدو لنا في مظهرها الاجتماعي المستقر، والفلسفة في طابعها الفردي الحر المتجدد، وهكذا يصدق القول بأن «الديانة هي فلسفة الشعوب والجماهير»، وأن «الفلسفة هي ديانة الأفذاذ الممتازين».
أما إذا عدنا بالديانات إلى عصور نشأتها، أو عصور تجديدها وإصلاحها، فإنها تبدو لنا هي أيضا وهي تحمل أعلاما شخصية: موسى، أو بوذا، أو عيسى، أو ماني، أو محمدا، أو لوثر، أو عبد الوهاب، أو غيرهم، حتى الديانات الوثنية لم تعدم زعماء وضعوا أساسها، أو وسعوا بنيانها، إما بالتفنن والاختراع، وإما بجلب «تماثيل الآلهة» من رحلاتهم في مختلف الأقطار، كما يحدثنا التاريخ عن بعضهم.
وليس جهل الشعب بحياة مؤسس ديانته دليلا على أن هذه الديانة في نشأتها كانت من وضع الشعب في الجيل نفسه أو في جيل سابق، وكل ما في الأمر أنها ميراث جهلوا مورثه، نعم إن هذه التركة قد يكون أصابها على مر العصور شيء قليل أو كثير من التحول والتطور، حتى أصبحت في وضعها الأخير أثرا مشتركا، وثوبا مرقعا، ينتسب إلى أكثر من فرد واحد، وتقبله الشعب هكذا على علاته، ولكننا متى ارتقينا بهذا الميراث الشعبي من عصر إلى عصر، حتى نصل إلى عهد نشأته، لا بد أن نصل إلى مبدأ لا يكون هو الشعب في جملته ولا جماعة من الشعب. وإلا فليجيئونا بمثال تاريخي واحد، اجتمع فيه شعب من الشعوب أو طائفة من رؤسائه، فتواضعوا فيما بينهم على ابتكار منظمة دينية جديدة، يخلقون عقائدها وعباداتها جملة وتفصيلا، من غير أن يكون بين أيديهم أثر يأثرونه عن سلفهم، ولا كتاب يدرسونه ويجتهدون في فهمه وتأويله، منسوب إلى فلان أو فلان.