============================================================ الباب التانى في الرد على من أنكر كرامات الأولياء بالأدلة العقلية المؤئدة بالبراهين النقلية اعلم أنه لا ينبغي للعاقل أن يستنكر ما يقع للأولياء من الاطلاع على بعض المغيبات، والإخبار بها، فإن نفس الكامل قد تتتقش بما في عالم الملكوت بحسب قوة الاستعداد، وزوال الحائل، وحينئذ فلا يستنكر أن يكون بعض الغيب منتقشا فيها من عالمه، وإذا قلت الشواغل الحسية كان للنفس فرص تجدها فجأة، فتخلص عن شغل التخيل إلى جانب القدس، فيتقش فيها نقش من الغيب، فإذا قلت الشواغل الحسية وجدت النفس فرصة اتصال بالعالم القدسي بغتة يخلص فيها عن استعمال الضور المتخيلة فيرتيم فيها شيء من الغيب على وجه كلئ، وينادي أثره إلى التخيل فيصوره حسبما التخيل في الحس المشترك.
قال الإمام الرازي رضي الله عنه : كما أن النفس تتصل عند القوم بالعقول المجردة، فيعقل من هناك أمورا ثم تركب المتخيلة صورا مناسبة لها، ثم ترتسم تلك الضور في الحس، فلا مانع من أن يحصل مثل ذلك في اليقظة إذا كانت النفس قوية الاستعداد وافية بتدبير الحالتين، واسعة لهما، حثى إن الإنسان حال اليقظة تتصل نفسه بالعقول، فيدرك من هناك أمورا ثم تركب المتخيلة منها صورا مناسبة لتلك المعقولات، ثم تنحدر تلك الضور إلى كوح الجس المشترك، فتصير الضور محسوسة في الخارج، فيحصل حينثذ مشاهدة، وسماع أصوات، وخطاب كلام، وأنوائ، وعلوم، وأسرائ، وإن لم يكن لشيء من ذلك وجود في الخارج.