مقدمة الشيخ/
أبي قتادة الفلسطيني
حفظه الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد ..
فقد قرأت هذه الورقات فوجدتها جيدة في التأصيل، ضرورية في التنبيه لأمر مهم جداً، لا يرى آثار أهميته إلا من عانى منه، ولذلك صاحب الورقات يعالج حالة واقعية في هذا الباب؛ وهو التنابز بمصطلحات تفرق الناس بغير مفرق شرعي بين الناس، وتؤدي إلى التنازع دون قدرة المخالف على إثبات سبب شرعي موجب للتنازع الشرعي الذي أقره الشارع، ذلك بأن التهمة والتنفير من أمر ديني يوجب أن يكون مرجعه صريح الدلالة في بيان خطأ من اقترفه ليحصل المقصد في إقلاع مقترفه عنه.
والمرء قد يطلق الوصف والقول في وقت ولا يرى آثاره مدحاً أو ذماً حتى يستقر في الأرض وجوداً دالاً على حقيقته، حينها ربما يُقلع المرء عن هذا القول، لعلمه بأثره الذي لم يُرِده، وهذا يقع في مثل هذه المصطلحات المحدثة، والتي تُطلَق ضمن ظرف ما على شيء في نفس صاحبها، فيُطوِّرُها الآخذ لها على وجه من التوسع الذي يُخرجه عن حد طالب العلم المحقق لمعناها في نفسه حين استخدمها أول مرة.
ومن تأمل حال الناس من مجاهدين وغيرهم يرى خيراً عظيماً في توليهم أمر السعي في رفعة هذا الدين، ولكن لم ييأس الشيطان من التحريش بينهم لتكون القطيعة والوقيعة، فصار استخدام هذه الألفاظ على جهة بينة من الباطل، حتى بمجرد حصول خلاف ما في وسيلة لتحصيل مقصد شرعي متفق عليه - والوسائل لها في الشرع سعة معلومة - صار المخالف مستخدماً لسلاح المصطلحات المحدثة على غير جهتها، وإذا جاز استخدام المصطلحات المحدثة بين الناس - لا ينكره طالب علم -، إلا أنه يجب اعتزالها وهجرها إن استُخدِمَت وسيلةَ شرٍ وسعايةَ تفريقٍ، أو إذا بَعُدَ على الناس ضبط معناها على جهة العلم، وذلك بأن لم يبق منها إلا الهجو للمخالف في أمر للناس فيه سعة.
ما كتبه الشيخ هنا مبعثه واقع هذه المصطلحات، يُقِرُّهُ على ما كتب كل من عاش بين الناس؛ يراهم يتطاعنون بها من غير وجه حق ولا عدل.
وها أنا أنبه مرة أخرى دفعاً للتهمة عن عالم يعرف أصول العلم ومداخله، ويتصور مسائله كذلك على وجه صحيح، يطلق كلماته على معنى هذا التصور السديد، فيأتي من لم يكن حاله كذلك فيتخذ كلام العلم سلاحاً ستراً لجهله، فهاهنا تقع الخصومات بين أهل الدين الواحد والشريعة الواحدة والسعي الواحد، وإذا وقع هذا فوجب هجر ذلك والتحذير منه.