واحد يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - صامه، فهل يمكن لأحد أن يقول: إنه لا يشرع صوم الست لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يثبت عنه صومها؟!
لا أعلم أحداً يقول بهذا بناء على هذا المأخذ الأصولي، وأما خلاف الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في هذا فلأنه لم يكن يرى مشروعية صيامها، ليس بناء على هذا المأخذ، وإنما لأسباب أخرى معلومة عند أهل العلم، وليس هذا المقام مناسبا لذكرها (1).
وقل مثل هذا في سنن كثيرة العمدة فيها على عموميات قولية، لم يثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - فعلها بنفسه، كصيام يوم وإفطار يوم، وغيرها من الأعمال الصالحة.
فهل يُعلّ ويُبطل الحديث بمثل هذا؟!
وهكذا فأنت ترى عظم فساد هذا المسلك وخطورته!!
الوجه الثالث: قال ابن حزم -رحمه الله -:
((أَمَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَصُمْهُ فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ عليه السلام قَدْ حَضَّ عَلَى صِيَامِهِ أَعْظَمَ حَضٍّ , وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ , وَمَا عَلَيْنَا أَنْ نَنْتَظِرَ بَعْدَ هَذَا أَيَصُومُهُ عليه السلام أَمْ لَا؟ .. )) (2).
الوجه الرابع: هذا لو سلمنا جدلاً بصحة دعواه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصم يوم عرفة، كيف وقد ورد أنه كان يصوم يوم عرفة اليوم التاسع من ذي الحجة:
فعن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت:
((كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر؛ أول اثنين من الشهر والخميس)) (3).
(1) وقدبينت هذا مفصّلاً -ولله الحمد-في رسالتي"دفع التعسف والإشكال عن صيام الست من شوال"يسر الله نشرها.
(2) "المحلى" (4/ 439).
(3) أخرجه أبوداود (2437)،والنسائي في"الكبرى" (2/ 135)،وأحمد (5/ 271) و (6/ 288و423)،والبيهقي في"السنن الكبرى" (4/ 284)،وفي"شعب الإيمان" (7/ 340 - 341)،وفي"فضائل الأوقات" (ص346 - 347).
وقد اختلف فيه على هنيدة بن خالد: فرواه عن امرأته عن بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وروى عنه عن حفصة، وروى عنه عن أم سلمة.
وانظر:"نصب الراية" (2/ 103)،و"لطائف المعارف" (ص461)،"فتح الباري" (2/ 543)،و"إرواء الغليل" (4/ 111).
ومع هذا فقد صححه الألباني في"صحيح أبي داود" (2/ 462).
(2) أخرجه أحمد (6/ 287)، والنسائي في"الكبرى" (2/ 135)،وابن حبان (14/ 332)،وأبويعلى في"مسنده" (12/ 469)،والطبراني في"الكبير" (23/ 205و216)،وفي سنده الاختلاف السابق.