حقه حراماً، بل هو له حلال طيب يتصرّف فيه كما لو كان من حرّ
ماله، فإذا دُفِع المال الحرام لبناء مسجدٍ
كان حلالاً طيباً، ولم يكن حراماً ([109]).
الرأي الراجح: هو القول الأول القائل بعدم جواز أن تُبنى المساجد
من أموال خبيثة؛ وذلك لما يلي:
أولاً: إذا جُعل المال الحرام في بناء المساجد كان هذا من باب
الإكرام والإحسان لهذه الأموال المحرّمة، والمحرّمات لا تكون
سبباً للإكرام والإحسان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فالواجب أن تصان بيوت الله عن هذا
المال الخبيث حتى لا يكون موضعاً للإكرام " ([110]).
ثانياً: قال الله تعالى: "إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ
وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى
أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ" [التوبة:18].
فالمساجد بيوت الله، أضافها إلى نفسه إضافة تشريفٍ، فإذا كان
الأمر كذلك فلا يصح أن يكون غير الطيب في بيتٍ من بيوت الله.
وقد كانت العرب في جاهليتها تحرص على ألا يدخل في بناء الكعبة
درهم حرام، فحين أجمعوا على هدمها قال بعضهم: (لا تدخلوا في
بنائها من كسبكم إلا طيباً لم تقطعوا فيه رحماً، ولم تظلموا فيه
أحداً) ([111]).
وفي رواية: (لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلا من طيب أموالكم،
ولا تدخلوا فيه مالاً من ربا، ولا مالاً من ميسر، ولا مهر بغي،
وجنِّبوه الخبيث من أموالكم؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)
([112]).
فإذا كان هذا حرص أهل الجاهلية في بيوت الله، فأهل الإسلام أحق
بهذا التنزيه والتقدير لبيوت الله من أولئك القوم الذين نزّهوا
البيت من المال الحرام، ولكن دنّسوه بالشرك، فإن حقيقة تنزيه
بيوت الله هو بناؤها بمال حلال الأصل، و توحيد العبادة فيها لرب
العالمين.
ثالثاً: ليس كل ما جاز صرفه للفقراء والمساكين جاز صرفه للمساجد
؛ وذاك أن الشارع أذن للفقير أن يأخذ هذا المال المحرم وينتفع
به، ويصير في حقه حلالاً كي لا يبقى المال بغير مالك، ولا تستمر