تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ فى الإسلام من لا يعرف الجاهلية، (ولهذا كان الصحابة أعرف الأمة بالإسلام وتفاصيله وأبوابه وطرقه، وأشد الناس رغبة فيه ومحبة له وجهاداً لأعدائه وتكلماً بإعلامه وتحذيراً من خلافه، لكمال علمهم بضده فجاءهم الإسلام وكل خصلة منه مضادة لكل خصلة مما كانوا عليه، فازدادوا له معرفة وحباً، وفيه جهاداً بمعرفتهم بضده، وذلك بمنزلة من كان فى حصر شديد، وضيق ومرض وفقر وخوف ووحشة، فقيض الله له من نقله منه إلى فضاء وسعة، وأمن وعافية، وغنى وبهجة وسرور، لأنه يزداد سروره وغبطته ومحبته بما نقل إليه بحسب معرفته بما كان فيه، وليس حال هذا كمن ولد فى الأمن والعاقبة، والغنى والسرور، فإنه لم يشعر بغيره، وربما قيضت له أسباب تخرجه عن ذلك إلى ضده وهو لا يشعر وربما ظن أن كثيراً من أسباب الهلاك والعطب تفضى به إلى السلامة والأمن والعافية، فيكون هلاكه على يدى نفسه وهو لا يشعر، وما أكثر هذا الضرب من الناس، فإذا عرف الضدين وعلم مباينة الطرفين وعرف أسباب الهلاك على التفصيل، كان أحرى أن تدون له النعمة ما لم يؤثر أسباب زوالها على علم وفى مثل هذا قال القائل :

... ... ... عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه

... ... ... ... ... ... ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه

... وهذه حال المؤمن يكون فطناً حاذقاً أعرف الناس بالشر وأبعدهم منه، فإذا تكلم فى الشر وأسبابه ظننته من شر الناس، فإذا خالطته وعرفت طويته رأيته من أبر الناس، والمقصود أن من بلى بالآفات صار من أعرف الناس بطرقها، وأمكنه أن يسدها على نفسه وعلى من استنصحه من الناس ومن لم يستنصحه)(1)0

... فالداعية إذن بمعرفته للجاهلية، يكن من أحرص الناس على الابتعاد عنها، وأشد الناس إخلاصاً فى النجاة منها، بل والتخطيط للتخلص من مكرها0

استلهام التاريخ

(1) مفتاح دار السعادة : 1/295 0

مسافر فى قطار الدعوة · الصفحة ٣٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مسافر فى قطار الدعوةص ٣٧٦