تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... وقد سبق الإسلام –بهذا الإدراك الواعى- أحد أهم مسائل وأسس التربية المعاصرة. ألا ترى أن المناهج فى المراحل الدراسية المتعددة يسبق بعضها بعضاً، والمساقات الجامعية ينبنى بعضها على بعض، ولا يسبق تدريس بعض الأجزاء أجزاء أخرى، فكل فن ترتبط أجزاؤه وفق نسق منطقى، والعلم بشمموليته تتسق فنونه بعضها ببعض، لا يتقدم المبهم الدقيق على الواضح السهل، ولا نتيجة على مقدمة، ولا الأهم على المهم، ولا يتقدم صعب على سهل، وغير ذلك؛ وقد أوضح ابن حجر شمولية معنى صغار العلم وكباره فقال :

... ((والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره ما دق منها ))

... وقيل : يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله أو مقدماته قبل مقاصده))(1)0

العلم بعيار العقل 000

... ومن قواعد التربية، إعطاء الداعية العلم، على قدر فهمه وإدراكه، كى لا يقع فى المفسدة، أو يتأول الأحكام على غير ما وصفت له، أو يتحدث فى غير مواقعها، ولقد امتنع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هدم الكعبة مخافة تسارع الناس للتأويل، وهم لا يزالون حديثى عهد بجاهلية، ولقد استنبط البخارى فى هذا الحديث القاعدة التربوية فقال :

... ((باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس، فيقعوا فى أشد منه ))0

فصار لزاماً أخذ الأهم قبل المهم، وتعلم المبادئ الأساسية مثل الخوض فى الخلافيات، وسلوك طريق الاستقامة، دون البحث عن مظاهر الكرامة، يضاف إلى ذلك مقصد عدم التنفير من العلم أو التخبط فيه 0

... ولهذا المعنى أشار الغزالى، واعتبره من وظائف المربى والمعلم، فحدد ذلك بقوله : ((00 أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقى إليه ما لا يبلغه عقله، فينفره، أو يخبط عليه عقله.. ولذلك قيل : كل لكل عبد بمعيار عقله، وزن له بميزان فهمه حتى تسلم منه ونتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار)(2)0

(1) فتح البارى : 162 0

(2) الإحياء : 1/57

مسافر فى قطار الدعوة · الصفحة ٣٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مسافر فى قطار الدعوةص ٣٤٢