... وإذا كان لابد من معرفة الفتنة ليتقى منها، كما فعل حذيفة بن اليمان، حيث كان يسأله - صلى الله عليه وسلم - عن الشر، بينما كان الناس يسألونه عن الخير، صار لزاماً فى عصر الفتن وملامحها، أن يتعرف دعاة اليوم عليها، ليتقوا بعضها، ويتجاوزوا عقباتها، فكل امرئ متلبس بها، لهذا قال عبد الله بن مسعود –رضى الله عنه- : ((لا يقولن أحدكم : اللهم إنى أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، لأن الله تعالى يقول : ﴿ أنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ (الأنفال : 28) فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن))(1)0
... ومن ضرورات التعرف عليها، معرفة أنواعها، ولعل أشدها صعوبة فتنة الناس، سواء بطلب المنفعة منهم، أم درء المفسدة عنهم، بل والأشد من ذلك طلب ثواب متوقع، أو انتظار الناس جميعاً فى الفتنة بسببها للمفاضلة بينهم، لأنها تفرق بين الصادق والكاذب، والمستقيم والمتذبذب، والخبيث والطيب، والمؤمن والمنافق، وجميعهم متعرض لها، متأثر بها00 وجماع الفتنة بأمر الناس قوله تعالى : ﴿ 00 وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً ﴾ (الفرقان : 20) . قال القرطبى فى تفسيرها، مما يوضح أنواع الفتن بالناس:
... ( أى أن الدنيا دار بلاء وامتحان، فأراد الله أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم فى جميع الناس مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغنى فتنة للفقير الصابر فتنة للغنى، ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه، فالغنى ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه، ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغنى، عليه ألا يحسده، ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق 00 والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار فى عصره، وكذلك العلماء وحكام العدل، ألا ترى إلى قولهم: ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ (الزخرف : 31) 0
(1) تفسير أبن كثير فى سورة الأنفال 0