(فالعبد فى هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة، وشيطانه المغوى المزين، وقرنائه وما يراه ويشاهده، مما يعجز صبره عنه، ويتفق مع ذلك ضعف الإيمان واليقين، وضعف القلب ومرارة الصبر، وذوق حلاوة العاجل، وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العوض مؤجلاً فى دار أخرى غير هذه الدار التى خلق فيها، وفيها نشأ، فهو مكلف بأن يترك شهواته الحاضرة الشاهدة لغيب طلب منه الإيمان به)(1)0
ولهذا كان طريق الجنة صعباً، وطريق الدعوة بالفتن أصعب، وأشد الدعاة ابتلاء بالفتن الأنبياء، والمرسلون، فكان لابد للداعية فى قطار الدعوة التأمل فى فسوة الطريق ووعثاء السفر، ويخاطب عندما يحب الراحة والدعة :
(اين أنت والطريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمى فى النار الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن خس، ولبث فى السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحي، وقاس الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد - صلى الله عليه وسلم - تزهو أنت باللهو واللعب 0
... ... فيا دارها بالحزن إن مزارها
... ... ... ... ... قريب ولكن دون ذلك أهوال )(2)0
وما هذا المزار إلا الجنة التى دونها أهوال الفتن، ومرارة الصبر
فتنة بعض ببعض
(1) إغاثة اللهفان : 2/164 0
(2) الفوائد لابن القيم : 49 0