... وإيراد ما ورد عن التابعين وسلف الأمة يطول، وجميعهم على هذا المذهب فى جواز المزاح، وفق ضوابطه الشرعية، بل واستحبابه فى بعض المواطن، ولا يزال ركب العلماء والفقهاء على هذا المنهج، دون نظر لأهل التكلف ولا أهل السفاف من الأمور ولعل من المناسب ذكر ما قيل فى تراجم بعض العلماء، فقد قيل عن صالح بن عمرو بن حبيب مثلاً ، وهو محدث الشرق، ومن أقران الإمام البخارى، روى عنه مسلم وغيره،((.. الإمام الحافظ الكبير الحجة، محدث الشرق.. حدث عنه مسلم خارج الصحيح.. وكان ثقة حافظاً غازياً .. ذا مزاح ودعابة مشهوراً بذلك))(1)0
... وفى كتب الطبقات والتراجم الشىء الكثير، يكفى ما أورد منها 0
ولكن 00 احذر الإفراط
... ومع هذا التأصيل للمزاح، يصبح لزاماً لكل مسألة من مسائل الحياة أن تحفظ وفق ضوابطها، دون إفراط أو تفريط، حيث إن التوازن هو العدل الذى جاءت به الشريعة، وفى الضوابط منع الإسفاف والإفراط فيه، والذين ينافى المروءة، ويخالف منهج الإسلام فى جدية العمل والتفكير، وقد يقود إلى حقد وإحن0
... فهذا عمر بن عبد العزيز نفسه، يكتب إلى عدى بن أرطأه :
... (أن أنه من قبلك عن المزاح، فإنه يذهب المروءة، ويوغر الصدر 00)(2)0
... وحول عبارة أخرى له أن ((اتقوا المزاح، فإنه حمقة تورث ضغينة))0
... قال الماوردى محللاً لها وشارحاً، وموضحاً علة الأمر وسببه :
... (أن للمزاح إزاحة عن الحقوق، ومخرجاً إلى القطيعة والعقوق، يصم المازح، ويؤذى الممازح، فوصمة المازح أن يذهب عنه الهيبة والبهاء، ويجرى عليه الغوغاء والسفهاء، وأما أذية الممازح، فلأنه معقوق بقول كريه، وفعل ممض، إن أمسك عنه أحزن قلبه، وإن قابل عليه جانب أدبه، فحق على العاقل أن يتقيه، وينزه نفسه عن وصمة مساويه00)(3)0
الميزان الثابت
(1) سير أعلام النبلاء : 14/24 0
(2) شرح السنة : 13/184 0
(3) أدب الدنيا والدين للماوردى : 298 0