... وكذلك قد يدفع البذل بالمال أو الوقت المرض والبلاء عن الأولاد والزوجة والنفس، وقد يحصل العكس أحياناً فقد يملك المرء كل شىء، ولا يدرى لماذا لا يشعر بالارتياح، ولا يحس بالسعادة.. فكم من غنى يملك الملايين ولا يستطيع التلذذ بوجبة طعام لإصابته بأحد الأمراض، وكم من غنى لا يستشعر لذة الهدوء والاستقرار خوفاً من السرقة أو الاغتيال، وهكذا نرى أن الله عز وجل جعل مقابل كل لذة ظاهرة نقصاً يعادلها، ومقابل كل كدح ظاهر للمؤمن لذة يستشعرها، واللذة الآتية مع الطاعة لا تعادلها لذة، رحمة من الله تعالى لعباده المؤمنين، وهى لذة لا تظهر إلا لأصحابها، ومسكين من حرم منها. (والحلاوة التى يجدها المؤمن فى قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذى يحصل له بذلك أتم من كل نعيم، واللذة التى تناله أعلى من كل لذة، كما أخبر بعض الواجدين عن حاله بقولهك إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: ((إن ليمر بالقلب أوقات يهتز بها طرباً بأنسه بالله وحبه له. وقال آخر: مساكين أهل الغفلة خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها. وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف)(1)0
... ولا نظن داعية لم يجرب مثل هذه المشاعر، ويمر بلذة الطاعة، ومشقة المعصية، ولكن المهم أن يستشعر الداعية ذلك ويتذكر ويحكم على الكثير من خلال القليل، ويبادر إلى الخير باستمرار، ويتذكر مثل هذه المعانى، وأن لا ينسيه الشيطان ذلك0
... إن على الداعية أن يعتبر بذلك باستمرار، إذ إن الله تعالى ينبه المؤمن بطرق مختلفة قد تكون على سمعه كالأجراس، أو على عينه كالأضواء، بل قل كالبوارق اللامعة تلمع لقلب المؤمن إذ قيل: إن ((البرق: باكورة تلمع للعبد، فتدعوه إلى الدخول فى هذه الطريق)) بل هى أنوار تقذف فى قلب العبد تدعوه إلى دخول طريق الصالحين0
البرق الأول : التيار المباشر
(1) إغاثة اللهفان : 1/197 0