فانظر إلى استمراريته في الدعوة رغم شدة الإعراض والعناد، لم يدفعه ذلك الإعراض إلى التوقف، ولا لممارسة الدعوة بصورة عادية لا روح فيها بل على العكس دفعه الإعراض ليواصل المحاولة مع تنويع الأساليب وابتكار طرق جديدة لتبليغ الدعوة، وتزيده حماسة على ((جعل دعوته مظروفة في زمني الليل والنهار للدلالة على عدم الهوادة في حرصه على إرشادهم وأنه يترصد الوقت الذي يتوسم أنهم فيه أقرب إلى فهم دعوته منهم في غيره من أوقات النشاط وهي أوقات النهار، ومن أوقات الهدوء وراحة البال وهي أوقات الليل)) التحرير والتنوير(29/194) ، ((وتوخي ما يظنه أو غل إلى قلوبهم من صفات الدعوة، فجهر حيث يكون الجهر أجدى مثل مجامع العامة، وأسرَّ للذين يظنهم متجنبين لوم قومهم عليهم في التصدي لسماع دعوته)) التحرير والتنوير(29/197).
ولنا مثل في قصة يوسف عليه السلام لما دخل السجن مظلوماً، حيث انتهز الفرصة ومارس الدعوة .
والاستمرارية خير كما قال عليه الصلاة والسلام ((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ)) قال المناوي: ((أدومها : أي أكثرها ثواباً، وأكثرها تتابعاً ومواظبة))، وذكر منافع العمل الدائم فقال: ((لأن النفس تألفه فيدوم بسببه الإقبال على الحق، ولأن تارك العمل بعد الشروع كالمعرض بعد الوصل)) ثم قال : ((وفيه فضيلة الدوام على العمل)) فيض القدير(1/165-166)، ولقد خوطب عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين( الحجر [99]، فظل يدعو إلى الله ويبلغ رسالة الله حتى وهو على فراش الموت يوصي أمته كما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه :لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته (الفتح)(8/140) .