أما الأول : فلا يخفى كم أذل الحرص أعناق الرجال ، وكم شغل الناس حبُّ المال ، وكم باع أناس مبادئهم ، وخانوا أمتهم وتنكروا لماضيهم لما ذهب الذَّهب بأبصارهم وسبى قلوبهم ، أما المؤمن فحقائق الإيمان تملؤ قلبه فلا يتأثر بشيء من هذا لأن في قلبه قول الحق جل وعلا (وفي السماء رزقكم وما توعدون( الذاريات[22] ولأنه يعلم من بيده الرزق (فابتغوا عند الله الرزق واعبده واشكروا له( العنكبوت[17] وأنه لا يملك أحد من البشر من ذلك شيئاً (إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً( العنكبوت [17] وفوق ذلك يعلم حقيقة الرزق في الدنيا وقيمته المحدودة ويرتبط بقوله تعالى (ورزق ربك خير وأبقى( طه [131] وقوله (إن هذا لرزقنا ماله من نفاد( ص [54] وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)) أخرجه الترمذي كتاب الزهد ، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ، حديث رقم (2320) ومن هذه المنطلقات الإيمانية قال الشافعي رحمه الله :
أنا إن عشت لست أعدم قوتاً وإذا مت لست أعدم قبراً
همتي همة الملوك ونفسي نفس حر ترى المذلة قهراً
وأما الثاني : فيقين المؤمن أن الموت والحياة بيد الله ، وأنه لا ينجي حذر من قدر ، وأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه ، وأن الموت ليس بالإقدام وأن السلامة ليست بالإحجام بل كما قال تعالى (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة( النساء [78] ومن هنا يتميز المؤمن عن غيره ، فبينما ترتجف القلوب وتنسكب الدموع ، وتعلو التوسلات ، وتقدَّم التنازلات ، حرصاً على الحياة ، نجد المؤمن كالطود الشامخ يهتف مع خبيب بن عدي قائلاً :
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي
ويتذكر قول علي بن أبي طالب :
أي يوميَّ من الموت أفر يوم لا يقدر أو يوم قُدر
يوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر