والحد الثاني: أنك تضعف راوياً ثقة في حال التضعيف فترد الناس عن الاحتجاج والتعبد بهذا الدين، وهذا رد لهذا الدين، وكلاهما خطر، والأئمة عليهم رحمة الله يستشعرون هذا الأمر، ولهذا يقل الاضطراب في كلام الأئمة لو رجع طالب العلم إلى الكتب الأولى في معرفة الجرح والتعديل، وأخذ منها.
اختلاف مناهج الأئمة في الجرح والتعديل
ثم إنه ينبغي لطالب العلم في أبواب الرجال أن يعلم أن للأئمة مناهج ومسالك، فمنهم من هو شديد الورع، لا يلقي الكلام جزافاً، بل إنه يتشدد جداً، وينقل كلام اللطيف الجارح الذي يعرفه من سبر كلامه، كطريقة الإمام البخاري عليه رحمة الله، وكذلك في بعض الأحيان نهج الإمام أحمد عليه رحمة الله، ومنهم من يشدد في العبارة كشعبة بن الحجاج، وكذلك كأبي حاتم و أبي زرعة يشدون في العبارة على الرواة، ولو كان ضعفهم يسيراً، ولهذا يستطيع طالب العلم أن يأخذ موازنة أن لكل إمام طريقاً. ومن الأئمة من يطلق بعض الألفاظ التي فيها نوع تعديل، ولكن لما كان كتابه كتاب تصنيف جمع الضعفاء والمتروكين أراد أن ينتشل هذا الضعيف الضعف المتوسط عن مستوى هذا البحر من الضعفاء ككتاب الكامل لابن عدي وهو الكامل في الضعفاء، قد جمع فيه بحراً متلاطماً من الضعفاء والمتروكين وكذلك الكذابين ونحو ذلك، فإذا كان رجل فيه نوع اعتدال أراد أن يخرجه من ذلك، فيقول: إنه لا بأس به، وهو من جهة الأصل داخل في دائرة الضعف، فيقول: إنه قال: لا بأس به، رأيت الأئمة قد أطبقوا على أن هذا الراوي ضعيف، فيقول: إن ابن عدي قد قال: إنه لا بأس به، فيقال له: أين قال هذا؟ قال: في كتاب الكامل، وكتاب الكامل الغالب فيه أنه فيه المطروحين والمتروكين وهذا مترفع عنهم شيئاً، لكنه لا يخلو من ضعف.