أ) اليُسر الأصلي: يقول الشاطبي رحمه الله:"إن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه"/ ويُستدل على ذلك بأُمور:
1 - النصوص التي تبين ذلك صراحة مثل: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها"، وقوله"والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها"."وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها" "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، لا نكلف نفساً إلا وسعها".
2 - ما عهد في القرآن من أن الله تعالى يستثني من التكليف الصور التي فيها عسر فييسرها فمن ذلك:
الإذن للولي في خلط مال اليتيم بماله. قال الله تعالى:"ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم وإن تُخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم".
إعفاء الصغير والمجنون من سريان الأحكام التكليفية عليهما، وإعفاء النساء من وجوب صلاة الجمعة والجماعة. واشتراط قيود للوجوب في جميع الأحكام الشرعية حتى لا يقع عنت وحرج على المكلفين الذين لا تنطبق عليهم تلك القيود.
ما عُلم في مواضع كثيرة من السنة النبوية أن النبي كان يتفادى ما يكون سبباً في تكاليف قد تشق على المسلمين ومن ذلك:
حثه أصحابه على ترك السؤال لئلا تفرض عليهم فرائض بسبب السؤال، مثل الرجل الذي سأل عن الحج: أفي كل عام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم". وكذلك ماورد عن عائشة قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من عندي وهو مسرور طيب النفس، ثم رجع وهو كئيب، فقال: إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن دخلتها إني أخاف أن أكون أتعبت أُمتي بعدي".وكذلك قوله:"لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
وليس معنى يُسر الشريعة خلو عموم التكاليف من جنس المشقة أصلاً، بل إن التكليف ما تُسمى بهذا إلا لأن فيها طلب ما فيه كلفة ومشقة، وبيان ذلك أن يُقال إن المشاق على ثلاث درجات:
1 - المشقة التي لا يقدر العبد على حملها أصلاً فهذه لم يرد الشرع بالتكليف بها أصلاً لأن هذا من التكليف بما لا يُطاق.
2 - أن يكون الفعل مقدوراً عليه لكن فيه مشقة عظيمة، أو تكون فيه مشقة تشوش على النفوس وتُقلقها عند القيام بذلك الفعل، فهذا النوع غير واقع في الشريعة الإسلامية وإن كان واقعاً في الشرائع السابقة. ومن أمثلة ذلك أن شريعة اليهود جاء فيها أن يقتل بعضهم بعضاً من أجل التوبة، وجاء فيه أن يقرض الإنسان ثوبه إن أصابته نجاسة. وقد جاءت