وفي الحقيقة، إِن كل مظاهر الانحراف التركيبي عن اللغة المنطقية إِن هي إِلا وليد لغة الاستعمال ومظهر من مظاهر الانفعال الذي يغلفها. لذا يفسر عدم استقرار النحو وكثرة مظاهر الانحراف بعمل اللغة الانفعالية التي تعمل عملها في اللغة المنطقية فتفككها وتسطو عليها (97). والثابت الوحيد الذي تلتقي فيه هاتان اللغتان، وتجتمعان عليه هو العلاقات النحوية، فالثابت الوحيد إِذن هو العلاقات النحوية وأما العلاقات الصرفية من مطابقة في العدد والجنس والإِعراب فهي من المتغيرات التي يتحكم فيها ويقررها طبيعة المعنى المراد إِيصاله. فعدم ثبات العلاقات الصرفية سلوك لغوي مقصود لأداء معان مقصودة أيضا قال ابن جني (98): "... فإِن العرب- فيما أخذناه عنها وعرفناه من تصرف مذاهبها- عنايتها بمعانيها أقوى من عنايتها بألفاظها ". وقال ابن الصائغ (99). " اعلم أن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية، يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول ". وما دام الأمر كذلك يجب علينا أن نراعي في التحليل اللغوي مقتضيات اللغة الانفعالية، وأن نتجنب قدر المستطاع منطقة هذه الأساليب ؛ لأن مثل هذا العمل إِن كان فيه صلاح للغة فإِن فيه تضحية ووأداً للمعاني والأحاسيس التي نريد أن ننقلها من خلال اللغة التي لا تزيد على كونها وسيلة التفاهم وأداة التعبير. لذا نقول مع الدكتور عبد الرحمن أيوب (100). يجب أن لا تطبق القواعد النحوية على إِطلاقها، وألا نحكّم الاعتبارات المنطقية في التحليل اللغوي، بل ينبغي أن نفهم أن اللغة لا تبنى على المنطق، وأن الصدفة التاريخية قد تخل بكثير من الواقع المنظم للغة ".
الهوامش
ا- اللغة ص 151
2- مفتاح العلوم ص 86
3- دراسات في النحو العام ص 121
4- المرجع السابق ص 130
5-أسرار النحو ص111
6- شرح الألفية لابن الناظم ص 107
7- شرح المفصل 1/ 96
8- الإيضاح في شرح المفضل 1/195
9- شرح التسهيل، 1/ 299.وشرح الألفية لابن الناظم ص 107.