وفي سبيل منطقة لغة الاستعمال والأساليب الانفعالية يضطر النحاة أحيانا إِلى تأويلات بعيدة ومتكلفة، ويظهر ذلك بوضوح في تخريجهم لـ " أخوكم " في قول العباس بن مرداس السلمي:
فقلنا أسلموا إِنا أخوكم
فقد برئت من الإِحن الصدور
فنظرا إِلى أن اسم إِن جمع، وأن الخبر ينبغي أن يكون مطابقا للاسم فقد قطع السهيلي بأن " أخوكم " ههنا جمع حذفت نونه للإِضافة (65). وكذلك خرجها صاحب اللسان (66). ولكن ليس هناك من دليل قاطع على أن " أخوكم " ههنا جمع وليست مفردا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذه الطريقة للجمع نادرة قليلة الشيوع إِنما يحكم بها ويقطع بذلك إِذا قام الدليل، وذلك كما في قول عقيل بن علفة المري (67).
وكان بنو فزارة شرّ قوم
وكنت لهم كشر بني الأخينا
أما "أخوكم" في بيت العباس بن مرداس فالحكم عليها بأنها جمع لا يصح إِلا أن يقوم دليل قاطع على ذلك. وطالما أنه ليس ثمة دليل قاطع فلا معنى للحكم عليها بأنها جمع، وإن كانت خبرا عن جمع؛ لأن هذا التخالف في العدد بين الركنين مقصود. قصدا، إِذ القصد إِخبار المعنيين أنهم في أخوّتهم لهم على قلب رجل واحد. والجمع لا يؤدي هذا المعنى وإنما يحترمه ويجعله محتملا،ولهذا فقد جوز فيه ابن جني أن يكون مفردا (68)،في حين عده ابن فارس مفردا أريد به الجمع (69).
ومن قبيل منطقهّ لغة الاستعمال المشحونة بالانفعال تخريجهم لإِفراد الخبر في بيت سلامة بن جندل:
ألا إِن جيراني العشية رائح
دعتهم دواع من هوى ومنادح (70)
حيث خرج عدم التطابق بأن اسم "إِنّ" جيران"
قد خرج مخرج الواحد؛ لأنه كلفظ " عمران " (71) وعليه فإِذا قال سيبويه (72): " لا تقول: القوم ذاهب " قلنا هذا في اللغة المنطقية، أما في لغة الاستعمال، فهو جائز ولا غبار عليه، ودليل ذلك وروده في كلام العرب، كما في البيت السابق وكما في قول أبي جندل الهذلي:
أولئك ناصري وهم أرومي
وبعض القوم ليس بذي أروم (73)