قال: فأخذت النعلين وفي رواية في الصحيحين فبكيت بكى إما من شدة الضربة وإما من هذا العنف، أو لأنه عطل المهمة التي أرسله رسول الله لها، والتي فيها بشارة للناس وأجراً في الآخرة، فرده عمر من حيث أتى.
قال: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي وقلت: يا رسول الله! فعل بي عمر كذا وكذا، فتبسم صلى الله عليه وسلم، قال: ادع عمر ، فدعوت عمر ، فدخل عمر رضي الله عنه.
فقال صلى الله عليه وسلم: مالك؟! قال: يا رسول الله! أتخبر الناس أن من شهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله أنه يدخل الجنة فيتكلوا؟!! قال: صدقت، فلا تخبرهم.
وهذا من رأيه الحصيف، ومن قوة نظره وفكره، فإنه من عمالقة العالم.
وقفة مع فراسة عمر ... ...
قال الإمام الذهبي : هو من أذكياء الدنيا بلا شك، فإن الله آتاه من سداد البصيرة -حتى في الجاهلية- ومن قوة النظر والإدراك ما جعل السكينة تنطق على لسانه، يأتي بالكلمة فيأتي الوحي مؤيداً ومسانداً لها، وهذا من شدة الفرقان في قلبه؛ لأن الله علم صدقه وإخلاصه، فنور قلبه، كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29]. يقول: ابن تيمية : "فلشدة فرقانة رضي الله عنه وللنور الذي في قلبه جعل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كلامه يصيب الحقيقة بلا شك" حتى في صحيح البخاري يقول ابن عمر : [[كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر ، وكان لا يقول للشيء كذا إلا أتى ]]. كما قال عمر وهو جالس مع الصحابة في المدينة يتحدث بعد صلاة العصر، وإذا برجل قد انحدر من جبل، فقال عمر : أتدرون ما خبر ذلك؟ قالوا: ما ندري! قال: هذا إما ساحر وإما كاهن وترك وديعة في الجبل وأتى. فأتى الرجل وجلس بين الصحابة فقال عمر رضي الله عنه: يا فلان! قال: نعم، قال: قد كنت ساحراً أو أنت ساحر، وتركت وديعة في الجبل؟ قال: والله ما استقبلني أحد من العرب بمثل ما استقبلتني اليوم يا أمير المؤمنين -أي: كان ينتظر أن يقول له: حياك الله وأهلاً وسهلاً -فقال: أأنت ساحر أو كاهن؟ فسكت الرجل، فقال عمر : أسألك بالله إلا صدقتني، فقال: أما وقد سألتني فأنا سواد بن قارب كاهن العرب، هو كاهن العرب على الإطلاق وليس كاهن قومه، قال عمر رضي الله عنه: وماذا تركت في الجبل؟ قال: مات ابني -يا أمير المؤمنين- في الصباح، فحفرت له وصليت عليه ودفنته؛ لأنه أسلم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وله قصيدة عند ابن هشام يقول: ... ...
فكن لي شفيعاً يوم لاذو شفاعة بمغنٍ فتيلاً عن سواد بن قارب فوقع أمر عمر رضي الله عنه وأرضاه حتى إن أمراء عمر على الأقاليم كانوا إذا أتى يحاسبهم تحرجوا أيما حرج، لأنه سوف يكشفهم بإذن الله.
محاسبة عمر للربيع بن زياد ... ...
يقول الربيع بن زياد : ولاني عمر على الكوفة فجمعت الأموال وأتيت أحاسبه في المدينة ، فأتاني من الهم ما قرب وما بعد، قلت: إن هذا الرجل سوف يكشف ما عندي وإن أخفيت عنه شيئاً فسوف يظهره الله، قال: فلما جلست عليه كان يسألني فكنت أتحفظ في كل كلمة -حتى لما دخل المدينة كان ثوبه غالياً وثميناً- فلما قربت من المدينة ، نزلت عن راحلتي وطويت ذلك الثوب الثمين وشريت ثوباً بثمانية دراهم ولبسته حتى يظهر النسك والزهد أمام عمر رضي الله عنه وأرضاه. قال: فلما دخلت على عمر قال: أخذ يلمس هذا الثوب، قال: أتيت بشيء، قال: أتيت بالأموال يا أمير المؤمنين، قال: يا فلان! اذهب وائتي بالراحلة، ما أرسل الرجل هذا إلا لأنه سوف يخفي الثوب، قال: فذهب ذاك فأتى بالراحلة فأناخها عنده، فقام ليفتشها فوجد الثوب. قال: لمن هذا الثوب؟ قلت: لي يا أمير المؤمنين، قال: أتلبس لي ثوباً بثمانيه دراهم، وتلبس لله ثوباً بخمسين درهماً؟! قال: فما زلت أتحفظ حتى ظننت أني انتهيت من المحاسبة، قال: ثم قلت كلمة ليتني ما قلتها، قالوا: وماذا قلت؟! قال: قلت: يا أمير المؤمنين! أنت أولى الناس بالمطعم الهنيء، والملبس الرضي، والمطعم الشهي، قال: أنا؟! قلت: أنت، قال: انتظرني قليلاً، قال: فضربني فأخذ خشبة فظربني على رأسي قال: اذهب، والله لا تلي لي عملاً أبداً، أي: لا تتولى لي عملاً. ...
محاسبة عمر لعمرو بن العاص ... ...
ذكر الذهبي عن عمرو بن العاص أنه قال: أتيت بأموال من مصر ففقدت بعضها وذكرت بعضها، ونسيت بعضها وحفظت بعضها، فلما دخلت المدينة أتاني من الهم ما قرب وما بعد، وقلت: سوف يحاسبني أمير المؤمنين عمر على كل قليل وكثيرٍ. وكان عمرو بن العاص من دهاة العرب، فإذا لم يخرج نفسه من هذه الورطة فمتى يخرجها؟ قال: فانتظرت حتى أتى بعض الأمراء والولاة على الأقاليم؛ لأن عمر كان يحكم العراق والشام ومصر واليمن ، أقاليم كثيرة وواسعة. قال: فانتظرت حتى أتى الأمراء وجلسوا بجانب عمر ، فلما أتى يحدثهم دخلت -ليحاسبه في هذه الزحمة- فلما جلست معه، قلت: يا أمير المؤمنين! قال: تكلم، قلت: يبدأ من هو أكبر مني، قال: فتكلم معاوية ، فلما تكلم قاطعت معاوية فقال معاوية : أتقاطعني يا لكع؟ يقول عمرو : فلطمت وجهه، فقام عمر رضي الله عنه قال: ادعوا لي أبا سفيان ، أتت مشكلة غير مشكلة المحاسبة، فدعوا أبا سفيان ، فقال: إن هذا لطم ابنك فإن تجعلها لله عز وجل يثيبك خيراً منها، قال: قد جعلتها لله، قال: فقم قبل على رأسه ويقبلك على رأسك، قال: فقبلت رأسه وقبل رأسي وقلت في أثناء ذلك: يا أمير المؤمنين! خذ هذه الأموال واتركني أذهب، فذهب فما حاسبه، ذكر ذلك الذهبي وابن كثير في سيرهم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أرضاه وهذا من فقهه. ...
الأسئلة
سبب اختيار معاذ لدعوة أهل اليمن
السؤال: لماذا اختير معاذ إلى اليمن ؟ الجواب: عند أهل العلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعرف رجال المواقف، يعرف كل رجل ومؤهلاته فيجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجانب الذي يريده، وهذا من حكمته صلى الله عليه وسلم، فهو يضع الأمور في موضعها ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى
فأهل اليمن لما كانوا أهل كتاب، وكان معاذ هو حامل القرآن، وما اختار لهم رجلاً عسكرياً ولا اقتصادياً ولا سياسياً؛ لأن عمر في الإدارة هو البارع في الصحابة، وأبو ذر في الزهد، وابن عباس في تأويل القرآن والفتوى، لكن يحتاج أهل اليمن إلى فقيه يعلم الحلال والحرام ويعلم فقه الدعوة، فاختار صلى الله عليه وسلم معاذاً رضي الله عنه وأرضاه وأرسله.
متى دخلت الديانة اليهودية إلى اليمن؟ ...
السؤال: متى دخلت اليهودية اليمن ؟ الجواب: قال أهل السير ومنهم ابن إسحاق : دخلت اليهودية اليمن في عهد أسعد بن كرب وهو جد العرب، ولهذا قال: صلى الله عليه وسلم: ﴿إنك تأتي قوماً أهل كتاب ﴾. ...
فائدة قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب )
السؤال: ما فائدة قول الرسول عليه السلام ﴿إنك تأتي قوماً أهل كتاب ﴾؟ الجواب: الفائدة عند أهل العلم: أن يأخذ حذره في الدعوة وفي أساليب الدعوة وفي توجيه كلام الناس، فيقول: المدعوون أمامك أهل كتاب فانتبه لعقولهم وفهمهم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يكلم الناس على قدر عقولهم، فانتبه واعرض عليهم عرض من يعلم أنه يخاطب أهل كتاب. ولذلك فرق بين أن يخاطب الإنسان طلبة علم، أو من كان على درجة من المعرفة، وبين من يخاطب أناساً في البادية ما عرفوا من الإسلام شيئاً كالأعراب، وهذا من فقه الدعوة، فإن بعض الناس -وربما قد يكون هذا غير موجود ولكن من باب ضرب المثل- إذا أتى إلى البادية وهم لا يعرفون الوضوء ولا الصلاة، ولا الغسل من الجنابة، ولا يعرفون عن أمور الدين الأساسية فمن الخطأ أن يتحدث لهم عن الربا، أو البنوك الربوية، أو الفكر الإسلامي، أو أسس الدعوة، أو الكلمات المنفوشة والضخمة التي تنطلق من أطر وتنصهر في بوتقة، فينظرون إليه وكأنه يتكلم لهم بالإنجليزي. ورجل آخر إذا أتى في مجتمعٍ قد عرف الدين والطهارة وعرف أركان الإسلام وأصبح يتلمس إلى الدقائق، أتى إليهم وقال: يا أيها الناس: يجب على الإنسان أن يغتسل من الجنابة وهو واجب، من تركه يعذب. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إنك تأتي أهل كتاب فانتبه إليهم وادعهم كأهل الكتاب، ثم قال: عليه الصلاة والسلام: ﴿وليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ﴾ وهذا هو التدرج في الدعوة، وهذه هي حكمته صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] فإنه يبدأ بأسس الدين وأسس العقائد قبل أن يخاطب الناس في أمور جانبية ولو أنها من السنة، كمن يأتي إلى أناس لا يصلون ولا يصومون ولا يحجون ولا يعتمرون ولا يزكون فيقول: يا أيها الناس: يجب عليكم أن تعفوا لحاكم، فقد صح في تربية اللحى عشرة أحاديث، أيربون اللحى وهم فسقة مردة لا يعرفون من الدين شيئاً. أو يأتي إلى أناس آخرين قد شهدوا أن لا إله إلا الله، وأصبحوا في العلم والفهم والفقه على درجة عظيمة فأتى يقول: يا أيها الناس: قولوا: لا إله إلا الله، وهم يقولون: لا إله إلا الله وإن كان مقصوده تجديد الإيمان، فهذا وارد وإن كان المقصود أنهم كفرة، فهذا مخطئ. فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿ وليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ﴾ فالواجب على الداعية بدايةً هو الدعوة إلى التوحيد، ولكل مقام مقال، والداعية أو طالب العلم أو الأستاذ أو المربي أو الموجه يعرف ما هي حاجة الناس. ولذلك يشترط في مجال الدعوة أن الداعية يعرف أحوال الناس، ولذلك قال أهل التفسير: إن الله عز وجل بعث الأنبياء من أقوامهم وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فيه صلى الله عليه وسلم: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير:22] وقالوا: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ ِ [الفرقان:7] كيف يكون منا؟ فأخبرهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أنه لو أنزل عليهم ملكاً من السماء لما آمنوا ولكفروا به. إذاً: فالله عز وجل أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس يجوع كما يجوعون، ويشبع كما يشبعون، ويغضب كما يغضبون، ويعرف المشكلات والآمال والآلام التي يعيشها أتباعه عليه الصلاة والسلام، ولذلك هداهم الله به، ولو كان ملكاً لما استطاع أن يتلاءم معهم، قال: ﴿ليكن أول ما تدعوهم شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ﴾ وأن هذه هي دعوته عليه الصلاة والسلام ودعوة كل نبي وكل رسول عليهم الصلاة والسلام، كل نبي يقول: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وأسعد الناس بشفاعته صلى الله عليه وسلم من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه.
حكم صلاة الوتر والضحى والسنن الرواتب ... ...
﴿ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال: فإن هم أجابوك لذلك؛ فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ﴾. أخذ أهل العلم من هذا الحديث: أنه لا يجب الوتر ولا ركعتي الضحى ولا السنن الرواتب، وإنما هي سنن فيها المؤكدة وفيها المستحب؛ لأن الله أوجب على رسوله وعلى المسلمين خمس صلوات في اليوم والليلة فقط. وفي الصحيحين عن أبي طلحة ، قال: ﴿كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقدم رجل من أهل <C= 3000001نجد ثائر الرأس من الغبار والشعث، نسمع دوي صوته ولا نسمع ما يقول، فقال رسول الله: مالك؟! فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت قال الرجل: والله! لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فانصرف ثم قال عليه الصلاة والسلام: أفلح وأبيه إن صدق ﴾ أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فالصلوات الخمس المرتبة الثانية بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبعض الناس يقولون: من قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله يكفي هذا ويدخل الجنة للأحاديث التي وردت وسبق ذكرها، وسواء صلى بعض الصلوات أو ترك البعض أو صلاها كلها فلا شيء عليه، وهذا ليس بصحيح، ومن قال ذلك فقد أخطأ خطأً بيناً وغلط غلطاً فاحشاً، بل من ترك الصلاة فقد كفر وبرئت منه الذمة، واستبيح دمه وعرضه وماله، نسأل الله العفو والعافية، فالصلوات الخمس في اليوم والليلة هي الفرائض التي افترضها الله على عباده. فقال عليه الصلاة والسلام: ﴿ فإن هم أطاعوك لذلك ﴾ أي بعد الصلوات الخمس، وقال أهل العلم: ليس المعنى أنهم إذا لم يطيعوا فلا يخبرهم بما بعدها، فهذا ليس بصحيح وليس بوارد، وإنما درج لمعاذ الأمور المهمة التي يدعو الناس إليها.
دعوة المظلوم ... ...
قال عليه الصلاة والسلام: ﴿وإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم ﴾ الكرائم جمع كريمة، يقول: أنت جامع للصدقة وللزكاة فلا تأخذ أحسن الشيء من الغنم والبقر والإبل، فإنها من كرائم الأموال، والكرائم هي النفائس الغالية، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ﴿واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ﴾ أي ترتفع إلى الله عز وجل ولا يردها راد. وهل يفهم من الحديث أن بين الله وبين خلقه حجاب إلا فيما بينه وبين دعوة المظلوم؟ لا. لأن الله عز وجل له معية سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فمعيته للكافر بالرصد وبالإحاطة وبالمحاسبة وبالمراقبة، ومعيته للمؤمن بالنصرة والتأييد والحفظ والرعاية، وفي صحيح مسلم عن أبي موسى -رضي الله عنه وأرضاه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره ﴾ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. وهناك فائدة عند كلمة (لا ينام) في سيرة موسى عليه السلام -كما ذكرها أهل التفسير-: أنه كلم الله تبارك وتعالى فقال: يا رب أتنام؟ فقال: يا موسى! لا تنم هذه الليلة، فما نام موسى تلك الليلة، فلما أتت الليلة الثانية قال: يا موسى! لا تنم، فما نام، فلما أتت الثالثة قال: يا موسى! لا تنم فما نام، فلما أتت الرابعة قال يا موسى: خذ قارورتين ثم املأهما ماءً ثم قف هذه الليلة من المساء حتى الصباح ولا تجلس، فوقف موسى عليه السلام وكان ينعس وتكاد تلتطم القارورتان، وعند الفجر لطم بين القارورتين فتكسرتا. فكلمه الله عز وجل وقال: إني لا أنام ولا ينبغي لي أن أنام، وإني لو نمت لوقعت السماء على الأرض، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:41]. فهو سبحانه الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، هذه فائدة عند كلمة "لا ينام" ولكن الشاهد في الحديث: "حجابه النور" أنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لا يحجبه نور عن خلقه، وإنما هو سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يراهم، بل يرى النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. قال أهل العلم: أي أخفى من السر الذي ما علمه العبد الذي هو صاحب السر، أنت تريد أن تسر شيئاً وقبل أن تسر شيئاً وقبل أن تدري أنت فإن الحي القيوم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يعلمه، فهذا هو معنى يعلم السر وأخفى.
الدعوة إلى التوحيد ... ...
وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والإسلام كله توحيد ينبع من محبة الله عز وجل، ولابد أن توحد الله عز وجل في المحبة، والعمل توحيد وهو المسمى بالتوحيد العملي الذي يذكره ابن تيمية ويقصد به توحيد العبادة، والتوحيد: معناه الأدب والسلوك مع الله عز وجل مع توحيد القصد والإرادة، ومن جهة أخرى ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات وهو بهذا يشمل الإسلام كله، فكل الإسلام توحيد.
الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ... ...
السؤال: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ وهل يخاطبهم الله عز وجل ويقول: لماذا لم تصلوا يوم القيامة؟ أو لماذا لم تزكوا؟ الجواب: ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة، ودليل ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام لمعاذ : ﴿فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم بخمس صلوات ﴾ فدل ذلك على أنهم إذا لم يوحدوه فلا يسألهم عن هذا، لكن في القرآن: يقول الله عز وجل للكفار: قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [المدثر:43-44] فالله عز وجل أنبأهم على لسان الملائكة، فاعترفوا أنهم لم يكونوا من المصلين ولم يطعموا المسكين، كأنهم مخاطبون، والصحيح: أن الله يحاسبهم على كل ما تركوه من الإسلام، ولكنهم غير مطالبين بها حتى يسلموا؛ لأنهم تركوا أعظم أصل وهو التوحيد.
حكم نقل الزكاة إلى بلد آخر ... ...
السؤال: هل الزكاة خاصة بأهل البلد فقط؟ الجواب: يقول عليه الصلاة والسلام: ﴿ثم أخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ﴾ في هذا دليل أن الزكاة والصدقة تصرف في فقراء البلد، فلا تؤخذ مثلاً من أبها إلى الطائف حتى ينتهي مثلاً فقراء أهل أبها وتصرف فيهم وهذا هو مفهوم هذا الحديث، وأخذ به الإمام أحمد ومالك وكثير من أهل العلم، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: من صرفها في أي بلد جاز، والأولى ألا يصرفها الإنسان إلا في البلد الذي هو فيه، وهذا هو الأحسن والأولى، حتى زكاة الفطر من كان هنا في أبها وأهله في بلد بعيد فعليه أن يبذل زكاة الفطر لأهل وفقراء هذا البلد، وزكاة ماله كذلك لفقراء هذا البلد، وإن نقلها فهذا خلاف الأولى. أما في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه فقد نقلت زكاة خراسان إلى الشام فردها إلى خراسان وقال: توزع على فقرائهم لا على فقراء الشام .
حكم دفع الزكاة إلى غير المسلمين ... ...
السؤال: هل يلزم إسلام الرجل الذي تصرف له الزكاة؟ الجواب: الفقير الذي تدفع إليه الزكاة لا بد أن يكون مسلماً، ولا يجوز أن تدفع الصدقة إلى يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بوذي، بل يتوخى الإنسان لمن يدفعها حتى يلمس الأصلح فالأصلح، فإذا كان هناك فقيران: أحدهما قانت منيب إلى الله عز وجل، يتقرب إلى الله بالنوافل، يصوم، ويصلى الضحى، ويكثر من الذكر، وهذا فقير ولكنه فاسق يشرب الدخان، ويؤخر الصلوات، ويخالف السنة، فالأولى أن يصرفها على هذا الرجل الصالح كما قال أهل العلم؛ لأنها تكون عوناً له على الطاعة؛ لأن الآخر قد يذهب بها في المعاصي. فالصحيح ألا تصرف على الكافر وأن الأولى والأصلح هو هكذا. وأما صرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم فهذا صنف ثامن؛ لأن الله عز وجل ذكرهم فإن علمت أن في إعطاء هذا الكافر شيئاً من الزكاة أنه سوف يسلم، أو تكف شره، أو سوف يكون للإسلام دعاية طيبة فلا مانع أن تعطيه شيئاً من الزكاة، كأن تكون تعمل في شركة أو في مؤسسة وفيها بعض الخواجات وفيهم قسوة وعنف فإن عليك أن تعطيه شيئاً من الزكاة تتألفه بها أو يرق قلبه أو تدرأ حدته وشوكته كما نص أهل العلم على ذلك، أو تطمع في إسلامه وعرض الدين عليه فتعطيه من ذلك.
وجوب الزكاة في مال الطفل الغني واليتيم والمجنون ... ...
وهذا هو الصحيح؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿تؤخذ من أغنيائهم -وهذا على العموم- وترد على فقرائهم ﴾ فمن عنده طفل وله مال خاص نمى له شيء من الغنم أو الإبل أو البقر أو الذهب، فإنه يأخذ زكاة مال هذا الطفل ويصرفها، وقد يكون هذا الطفل يتيماً ورث أمولاً طائلة، فهذا يؤخذ من أمواله الزكاة وتدفع، وكذلك المجنون الذي ذهب عقله، يأخذ وليه المال فيزكي ويتصدق من ماله، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ﴿تؤخذ من أموالهم ﴾.
بعث السعاة لأخذ الزكاة ... ...