3 - كثيراً ما يكون الرجلُ صاحبُ التجربة قد امتلأ خبرة حتى مُشاش عظمه لكنه ينظر إلى تجربته أمام تجربة العظام من السابقين فيراها صغيرةً لا يَليق أن تُذْكر بجوارهم كما قال أحد التابعين: [ما نحن فيمن مضى إلا كبقلٍ في أصول نخل طِوال]؛ لذا يزهد بتجربته فلا يَنْشَط لكتابتها، لكن هذه الخبرة لمن هو دونه سناً وخبرة أو للأجيال القادمة قد تكون بمنزلة الكبريت الأحمر أو الإكسير الأصفر لمشابهة واقعه بواقعهم مثلاً .... فيشاء الله أن يلقي مثلي دلوه في هذا الإخاذ الكبير عساه يُخْرِج لجيلنا عِبَراً تكون أقربَ ما تكون إلى حديث نبينا العظيم عند حديثه عن الأنبياء وعن نفسه عليهم الصلاة والسلام (مَثَلي ومثلُ الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً فأحْسَنَها وأَجْمَلها وأَكْمَلها إلا موضعَ لَبِنَةٍ من زاويةٍ من زواياها، فجعل الناس يَطوفون ويُعْجِبهم البنيانُ، فيقولونَ ألا وضعت ههنا لَبِنَة فيَتِمَّ بنيانك، ... فكنتُ أنا اللبنة)، ولم يقل: "فكنت أنا البيت"، مع أنه نبي عظيم أتى بالدين الخاتم، فأحرى بأمثالي أن يكونوا ذرة من لبنته عليه الصلاة والسلام.
* فما هو منهجي هنا في هذا الكتاب، الذي سيتم إخراجه -إن شاء الله- على حلقات؟
طلبتُ من الشيخ حفظه الله أن نبدأ من هذه اللحظة بتسجيل الأحداث الجديدة أولاً فأولاً حتى لا تفوتنا، ثم كلما تيسر وقتٌ عند الشيخ نجلس سوية لنتجاذب أطراف الحديث من بدايات التزامه بخط الجهاد، وآثرتُ أن يحدثني بادئ ذي بدء عن بدايات وصوله إلى العراق بعد سقوط إمارة طالبان وكيف كانت أولُ شَرارة في ذهنه تجاه أرض الرافدين، ثم نعودُ إلى بداياته الأولى في "الأردن".
ولن يكون تركيزي في هذه الأحداث على مجرد الحَدَث بقَدْرِ ما سأحاول التركيزَ على الحَدَث ذي العِبَر إذ ما يهمنا العبرة والاتعاظ واقتناص الفوائد، فالقلوب تصدأ فتحتاج إلى صقل، والمؤمن يَغْفُل فيحتاج إلى تذكير، فإن لم نكسِب من حلقاتنا إلا هذا فحسبنا، بَيْد أني لن أَضِنَّ -إن شاء الله- بذكر الأحداث الرئيسة، ومعاذَ اللهِ أن أَدَّعيَ أنَّ كل ما سأكتبه سيكون رائق المبنى بديع المعنى، ولكن إذا قصَّر الكبار من أرباب القلم بالواجب عليهم كان حقاً على من دونهم أن يَحملوا الراية، وخشيةً من مخالب المنايا، ومن باب "خير البِرِّ عاجله" رأيتُ أن أسرعَ بإخراجها مع أن الرَّوِيَّة أفضلُ، فمبدئي هنا: "ما لا يُدْرََك كلُّه لا يُتْرَك جُلُّه"، لكنَّ الكتابة ليست تمراً أنت آكله، ومَن صنَّف فقد استهدف -كما قيل- أسألُ الله التيسير.
*تنبيهات قبل البدء في صلب الحلقات:
1) الأحداث المذكورة تَوَخَّيْتُ فيها الدقة النقلية ما استطعتُ إلا أن كتابة التاريخ لا تخلو من نُقُولٍ بالمعنى فأسأل الله السداد والإنصاف.
2) ما أكتبه وإن تَوَشَّح باسم الشيخ "الزرقاوي" إلا أنه يمثل منهجاً لجماعة مستمرة وقد شاء الله أن يكون اليومَ هو أميرَها، والشيخُ نفسه لا يرضى أن يكون أمر الجماعة مرتبَطَاً بشخصه، وعلى كل أخ مسلم أو أخت مسلمة يغارون على دينهم أن ينشروا هذه الحقائق على الملأ في المنتديات الإلكترونية والمكتبات وما يتيسر من وسائل نشر حتى يعلم الناس الخفايا، إحياءً للحق الموءود.
3) لن أتقيد بطولٍ معين للحلْقة وإنما بقَدْر كفايةِ توضيح الفكرة واقتباس العبرة وضمن حدود المقبول إن شاء الله.
4) سأذكر في الحلقات أحاديث ومواعظ وأشعاراً وتراجمَ وما تيسر، ولايخفى ما لها من فوائد خاصة مع ربطها بالأحداث، وسأوضح درجة صحة الأحاديث المذكورة، وأما ما لم أذكر درجته فيحتاج نظراً في سنده.
5) ضبطي للكلمة بضبطٍ ما لا يعني أن غيره غير صحيح، فقد يَصِحُّ ضبطان لغة فأختار أحدهما فحسب.
6) النقاط المتتالية هكذا ( ... ) للدلالة على كلام محذوف في النص المنقول.
7) إن وجد إثناءٌ على شخص في هذه الحلَقات فلا يعني إقراره على كل ما عنده أو على منهجه، ولكن المقام في عجالةِ هذه الحلقات ربما لا يحتمل التفصيل، فقد نمدح الزمخشري مثلاً من حيث براعتُه في العربية مع تبرئنا من عقيدته الاعتزالية، فلا يعني مدحي لعربيته أنني أقره على كل ما عنده.