تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اقرأ وراء سطوره يا قارئاً * فيحار لبك في دجى أفكاره

- حقاً! إن من توفيق الله للعبد أن يلهمه استثمار الفرص التي لا تُعَوَّض لتعود نفعاً على قومه:

إذا هَبَّتْ رياحُك فاغتنمها * فإنّ لكلِّ خافقة سكون

ولا تَغْفُل عن الإحسان فيها * فما تدري السكون متى يكون؟

وإنْ درَّت نِياقك فاحْتَلِبْها * فما تدري الفَصيل لمن يكون؟

والحكيم مَن استفاد من تجربة غيره، صغيراً كان أو كبيراً، إذ لا يخلو امرؤ من حكمة، وقد يوجد في الأنهار ما لا يوجد في البحار.

إلا أن ما يُغْري حقاً أن تَرْتَشف من خبرةِ من أفنى عمره في أرض الجهاد ... خبرةِ رجلٍ حَنَّكَتْه الأيام وخَمَّرَتْه التجارب بعد أن حمل عصا التسيار في أرض الله محارباً للطواغيت بقلبه وقالَبه ... إنه لمُغْرٍ حقاً أن ترتشف منه رحيقاً سلسبيليَّ المَذاقِ حتى يَغْدوَ من نَحْلة صغيرةٍ شهْداً مصفًى على خد الزمان يتذوقه من شاء من أبناء أمتنا الإسلامية ... ولولا الرحيقُ ما كان العسل.

وإني لأحمد الله الآن أنْ لم أكن ككثيرٍ من مغتالي الضمائر ممن لم يُطَبِّقوا أخصَّ خصيصة في نقد الرجال عند علمائنا السالفين ... أعني عدالة الرواة في السند، فإذا كان الإسناد من الدين، فإن عمودَ صحته عدالة الراوي، فكيف يثق كاتبونا بصحف الغرب الكافرة التي طلقت العدالة -التي عَرَّفَها علماء الحديث- تطليقاً ثلاثاً منفصلات!؟

وكيف يظنون أن أعداء الله يمكن أن يقولوا الحقيقة بنفسٍ سَمْحة، وروح طليقة؟

ما عهدنا أن نرى في الليل شمسا * أو نرى في وهْج القيظ هلالا

ما عهدنا أن نرى في الشرق غربا * أو نرى في راحة اليمنى الشمالا

آهِ منا لم نَزل نُلبِس زيداً * ثوبَ عَمْرٍو ونرى القِرْد غزالا

فالحمد لله أنني ها هنا أرى بأم عيني، وأسجل بحُرِّ قلمي، وما بقي إلا أن يتقي الكاتب الله فيما يَكتب، وأن يلهمه الله السداد، ويُخرج على يديه -بفضله- الإنصاف الذي طالما ظل مدفوناً في سراديب الإجحاف.

فيا من تريدون الإنصاف تعالَوا كما جاء غيركم ثم احكموا، وإلا فاقنعوا من المعمعة بالصمت، و:

أقلوا عليهمْ لا -أباً لأبيكمو- * من اللوم أو سُدُّوا المكان الذي سدوا

- وقد يظن ناس أنْ لا فائدةَ من سرد التاريخ الفائت أو حتى الحاضر إلا تزجيةُ الوقت وملءُ الفراغ، وسها هؤلاء عن فوائدَ عظيمةٍ من سرد ودراسة التاريخ، ويمكن إيجازها بـ: تحصيل عبرة أو اكتساب خبرة أو إصدار فتوى، وسأفصلها في الحلقة القادمة إن شاء الله، ثم أليست أحداث اليوم تاريخ الغد؟

أتانا أن "سهلاً" ذم - جهلاً- علوماً ليس يَدْريهن "سهل"

علوماً لو دَراها ما قَلاها ولكنّ الرِّضا بالجهل سهل

• ولعل متسائلاً يتساءل: لماذا لم يَصُغ الشيخ هذه الحلقات بنفسه؟

لهذا أسباب عديدة أقتصر على أهمها وأَظْهَرها:

1 - أراد الشيخ أن يفسح المجال لغيره من أبناء الأمة الإسلامية وهذا يذكرني في موضوعنا بالإمام الشافعي القائل: [وددتُ أنّ الناس تَعَلَّموا هذا العلم على أن لا يُنْسَب إليّ منه شيء]، فهَمُّه -رحمه الله- أن يُنْشَر الخير ولا يَضيره على يد من انتشر.

2 - أن أعباء القيادة في مثل الظروف المريرة والعقبات الكأداء تشغل ذهن كبار الخبراء، ومثل هذه الصياغة والتنسيق تحتاج ذهناً أبعد عن صخب المشاكل وضوضاء المشاغل، فكان ما كان.

من خفايا التاريخ .. · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من خفايا التاريخ ..ص ٥