ومع أن هذا المخاض كان عسيراً؛ والولادة كانت صعبة، إلا أنها كانت طبيعية وليست قيصرية. وهذا يوجب بالضرورة رفع آيات التقدير والاحترام للروح الكفاحية العالية التي تمتع بها الرواد الأوائل أمثال خليل السكاكيني وخليل بيدس ورشيد الدجاني ويوحنا دكرت أحد صاحبي مجلة "بيت لحم"، الذين كانوا في مواجهات متصلة مع رموز الإقطاع الاقتصادي ورجال الدين. وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن أن نذكر ما حصل للسيد يوحنا دكرت عندما أصدر روايته "أصل الشقاء" حيث ثارت عليه ضجة واسعة بين الأوساط الدينية والاجتماعية لأنها تنسب أسباب الشقاء إلى رجال الدين. وازدادت الحملة ضراوة عندما أعلن في مجلته بأن الرواية ستكون هدية لمشتركي مجلة بيت لحم، وما أن بلغ بعض رجال الدين الخبر حتى قاموا يطالبون بمصادرتها. وقد رفع البطريرك دعوى قضائية على مؤلفها إلى المحاكم، فحكمت عليه المحكمة الابتدائية بغرامة مالية. وبعد أن استأنف يوحنا دكرت (نقلت) الدعوى إلى محكمة الاستئناف العليا.
لقد تبلورت في هذه الفترة مواصفات الطبقة الوسطى، وأخذت تحقق ذاتها وتتلمس كيانيتها؛ وتتبين علاقاتها، وتخطو بشكل متسارع على طريق تحسين أوضاعها وتوفير عوامل القوة التي تتطلبها مشاركتها في صنع القرار وتوجيهه بشكل مباشر أو غير مباشر.