تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما هذه الأسباب بالنسبة للمطابع الخاصة فقد كانت مقلوبة. فالتقدم إلى دوائر الحكومة بطلبات للحصول على مطابع خاصة لمواطنين أو لشركات مساهمة كانت بحد ذاتها شبهة للمتقدمين بها يسألون حولها من تلك الدوائر نفسها. وفي هذا السياق يسجل جورجي حبيب حنانيا في افتتاحية العدد الأول من جريدته القدس الصادر بتاريخ 1908/9/18-5 شهادة معّمقة حول ما حدث معه عندما تقدم للسلطات الحكومية في القدس عام 1894 بطلب للحصول على رخصة لمطبعة جورجي حبيب، ويقول فيها: "لما كانت بلدتنا القدس مثل غيرها متعطشة إلى العلوم والمعارف التي نضب معينها منذ أجيال طوال، وكانت هذه لا تنتشر وتعمم إلا بواسطة المطابع. فحيث كانت كل مطابع القدس دينية محضة، تشتغل كل واحدة منها لطائفتها، فقد مسّت الحاجة إلى تأسيس مطبعة تزرع بذور الإخاء وتعامل الجميع على السواء، غايتها خدمة الوطن؛ ولا تختص بفريق دون الآخر. ولكن هذا الأمر كان صعباً لما كان يحول دونه من الموانع والعثرات التي كان يقف الاستبداد في سبيل تذليلها وإزالتها. ولما كنت ممن مارسوا هذه الصناعة، دفعتني النفس أن أجرب القيام بهذا الواجب على ثقله وصعوبته ووعورة مسلكه. ولكن الطلب لم يجد آذاناً صاغية وظل حبيساً في أدراج موظفي الحكومة يتراكم عليه الغبار يوماً إثر يوم حتى يقضى الله أمراً كان مفعولاً."

وبانتظار صدور الرخصة استحضرت حروفاً إفرنجية تمهيداً لإقامة المطبعة، وأخذت استعملها لطباعة مطبوعات كنت أنجزها خفية لأغراض السياحة، وكان هذا الأمر يشغلني مدة ثلاثة أشهر فقط. وقد وشي بي أحد العيون إلى السلطان فوضعت تحت الأرصاد (الرقابة) المشددة، وتوقفت عن العمل.

محاضرات في المخطوط العربي · الصفحة ١٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

محاضرات في المخطوط العربيص ١٣٨