الْجَمَاعَةُ بَعْدَ الْجَمَاعَةِ، حَتَّى كَثُرَ عَدَدُهُمْ، كَمَا يَحْدُثُ فِي أَصْلِ الزَّرْعِ الْفَرْخُ مِنْهُ، ثُمَّ الْفَرْخُ بَعْدَهُ حَتَّى يَكْثُرَ وَيَنْمِي، وَقَوْلُهُ: ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح:29] يَقُولُ: فَقَوَّاهُ: أَيْ قَوَّى الزَّرْعَ شَطْأَهُ وَأَعَانَهُ، وَهُوَ مِنَ الْمُؤَازَرَةِ الَّتِي بِمَعْنَى الْمُعَاوَنَةِ ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ [الفتح:29] يَقُولُ: فَغَلُظَ الزَّرْعُ ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:29] وَالسُّوقُ: جَمْعُ سَاقٍ، وَسَاقُ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ: حَامِلَتُهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح:29] يَقُولُ:" نَبَاتُهُ مَعَ الْتِفَافِهِ حِينَ يُسَنْبِلُ ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح:29] فَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الزَّرْعُ فَيَبْلُغُ فِيهِمْ رِجَالٌ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، ثُمَّ يَغْلُظُونَ، فَهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمْ وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَحْدَهُ، ثُمَّ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ قَلِيلٌ يُؤْمِنُونَ بِهِ، ثُمَّ يَكُونُ الْقَلِيلُ كَثِيرًا، وَيَسْتَغْلِظُونَ، وَيَغِيظُ اللَّهُ بِهِمُ الْكُفَّارَ "
وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:29] قَالَ: أُصُولِهِ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح:29] " اجْتَمَعَ ذَلِكَ فَالْتَفَّ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ خَرَجُوا وَهُمْ قَلِيلٌ ضُعَفَاءُ، فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ يَزِيدُ فِيهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُمْ بِالْإِسْلَامِ، كَمَا أَيَّدَ هَذَا الزَّرْعَ بِأَوْلَادِهِ، فَآزَرَهُ، فَكَانَ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ "
ويُعْجِبُ هَذَا الزَّرْعُ الَّذِي اسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ فِي تَمَامِهِ وَحُسْنِ نَبَاتِهِ، وَبُلُوغِهِ وَانْتِهَائِهِ الَّذِينَ زَرَعُوهُ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:29] يَقُولُ: فَكَذَلِكَ مَثَلُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابِهِ، وَاجْتِمَاعِ عَدَدِهِمْ حَتَّى كَثُرُوا وَنَمَوْا، وَغَلُظَ أَمْرُهُمْ كَهَذَا [ص:333] الزَّرْعِ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:29] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَتْرُوكٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَعَلَ ذَلِكَ بِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابِهِ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:25] يَقُولُ: وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْهِمْ وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْهُمْ﴾ [البقرة:75] يَعْنِي: مِنَ الشَّطْءِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الزَّرْعُ، وَهُمُ الدَّاخِلُونَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الزَّرْعِ الَّذِي وَصَفَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى صِفَتَهُ وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ ﴿مِنْهُمْ﴾ [البقرة:75] عَائِدَةٌ عَلَى مَعْنَى الشَّطْءِ لَا عَلَى لَفْظِهِ، وَلِذَلِكَ جُمِعَ فَقِيلَ: «مِنْهُمْ»،وَلَمْ يَقُلْ «مِنْهُ» وَإِنَّمَا جُمِعَ الشَّطْءُ