وتحقيق الذات الإنسانية بهذا المفهوم يأخذ معنى لدى أوائل الصوفية مخالفا عن نظيره عند الآخرين ، حيث أن تحقيق هذه الذات لا يكون ببروزها ولا يعنى ذلك استقلالها واعتدادها بنفسها ، كما أن ذلك لا يكون بتعقلها للحقائق الكونية واستطالة الانسان فيها ، ولكن تحقيق الذات الإنسانية عند الصوفية يكون بالتحرر مما سوى الله وترك العبد لنفسه فيتحرر من قيودها ويؤدى العبودية على الوجه اللائق ، ولذلك فإن التسترى يشير إلى المعنى الذى يحصل بدخول آدم إلى الجنة وخروجه منها ، فيذكر أن فعل آدم صار علما وسنة فى ذريته إلى يوم القيامة ، ولم يرد الله تعالى معانى الأكل فى الحقيقة وإنما أراد معانى مساكنه الهمة مع شئ هو غيره .
فآدم عليه السلام لم يعتصم من الهمة والفعل فى الجنة فلحقه ما لحقه . من أجل ذلك وكذلك من ادعى ما ليس له وساكنه قلبه ناظرا إلى هوى نفسه فيه ، لحقه الترك من الله عز وجل مع ما حل عليه من نفسه ، إلا أن يرحمه فيعصمه من تدبيره ، وينصره على عدوه وعليها ، فأهل الجنة معصمون فيها من التدبير الذى كانوا به فى دار الدنيا لأن آدم لم ــــــــــــــــــــــــــــــ
1- رسائل الجنيد ضمن كتاب التصوف طريقا وتجربة ومذهبا ص 303 .
يعصم من مساكنة قلبه تدبير نفسه بالخلود (1) .
فليس للإنسان عدو أشد من نفسه ، وهو يرى أن البلاء يكمن فى الانفرادية التى هى أصل الأنانية (2) .
ومن ثم فإن الذات الإنسانية فى مفهوم أوائل الصوفية وجدت فى الدنيا كامتداد لما سبق فى الغيب وتنتقل بعدها إلى خالقها ، كل ذلك للقيام بواجبها فى الدنيا على النحو الذى يرضى الله سبحانه ، فإن فعلت فقد وصلت إلى الكمال فى تحقيق الذات وتحقيق الهدف من وجودها .
وهذه الحقيقة يقررها أبو سعيد الخراز فى قوله :
( فأيقن القوم أنهم وأنفسهم لله تعالى ، و كذلك ما خولهم وملكهم فإنما هو له ، غير أنهم فى دار اختبار وبلوى وخلقوا للإختيار والبلوى فى هذه الدار ) (3) .