فعند التسترى أن من اقتدى بالنبى صلى الله عليه وسلم لم يكن فى قلبه اختيار لشئ من الأشياء سوى ما أحب الله ورسوله (2) .
وإذا كان الفناء عند التسترى مرتبطا بالمحبة وأثره قائم عليها ، يظهر ذلك من أفعال المحب ، وأثر المحبة على الجوارح فى اتباع أوامر المحبوب واجتناب نواهيه بحيث تتحد رغبة المحب مع رغبة المحبوب ، فإن الفناء عند الجنيد يأخذ طريقا آخر حيث يرتبط الفناء بالتوحيد بصورة تتسق فى النهاية مع مفهوم التسترى .
فالفناء الذى دعا إليه لا علاقة له بفناء الحلول والاتحاد ، وإنما يحتفظ بالصحو ويرفض الشطح ويؤثر البقاء (3) .
وذلك لأنه دعا فى التوحيد إلى تطابق الإرادات ، إردة العبد وفنائه
ــــــــــــــــــــــــ
1- حلية الأولياء حـ 10 ص 190 مرآة الجنان حـ 2 ص 148 .
2- من قضايا التصوف فى ضوء الكتاب والسنة ص 19 .
3- الرسالة حـ 1 ص 584 .
مع إرداة الله الدينية الشرعية ، وذلك يدخل تحت إرادة الله الكونية وهو نهاية التوحيد الحقيقى الذى عبر عنه بقوله :
( أن يكون العبد شبحا بين يدى الله سبحانه وتعالى ، تجرى عليه تصاريف تدبيره فى مجارى أحكام قدرته ، فى لجج بحار توحيده بالفناء عن نفسه وعن دعوى الخلق له ، وعن استجابته بحقائق وجوده ووحدانيته فى حقيقة قربه بذهاب حسه وحركته لقيام الحق سبحانه فيما أراد منه ) (1) .
وهو يشير بذلك إلى الحديث القدسى :
( فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به ، وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشى عليها ) (2) .
وإذا أضفنا لقوله السابق قوله : ( التوحيد هو إفراد القديم عن الحدث ) (3) .
علمنا بأنه إنما يريد التحرر من رق الأغيار وشهودها لاستغراق القلب فى الذكر والمداومة عليه بغية الوصول إلى نهاية العبودية والتحقق .
1- الرسالة حـ 1 ص 584 .
2- سبق تخريجه .
3- انظر ص 87 .
وقد بين ذلك باستفاضة فى كتابه الفناء (1) .