فما لا يحتاج إليه العبد من أمور الدنيا فلا يعلق قلبه به ، وإذا فعل صار مستعبدا ومقيدا بهذه الأمور لا يبقى خالصا على حقيقة العبودية لله أو على حقيقة التوكل على الله بل فيه شعبة من العبادة لغير الله .
وهذا هو المستحق لدعاء النبى صلى الله عليه وسلم عليه بالتعاسة والانتكاسة .
ويرى الجنيد بن محمد أن الحرية آخر مقام للعارف ، وقلما يصل إليه إلا المخلصون الصادقون فقال متمنيا أن يرى عابدا بحق :
أتمنى على الزمان محالا : أن ترى مقلتاى طلعة حر (1) .
فالحرية يقطع العابد فيها أشواطا من المجاهدة فى التزام الشرع والتعبد بالنوافل وفى كل مرحلة يؤدى فيها شيئا من العبادة ، ينحل عنه قيد من قيود الرق لغير الله حتى يصل بأدائها إلى انفكاك جميع القيود ، كالعبد المكاتب يظل عبدا وإن دفع إلى سيده كل ما كاتب عليه واستثنى درهما واحدا ، فلا بد من دفع الكل حتى يخرج إلى الحرية .
سئل الجنيد عن لم يبق عليه من الدنيا إلا مقدار مص نواة ، أيكون حرا ؟ فقال : ( المكاتب عبد ما بقى عليه درهم ) (2) .
ولا شك أن هذا المفهوم ارتقاء بالذات الإنسانية إلى مرتبة الكمال فدخول الإنسان فى عبودية الله اختيارا هو السبيل الوحيد للمحافظة على حريته وتحقيق ذاته ، وهذا يتطلب سلوكا يناظر سلوك النبى صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى للمسلمين ، ومتابعته فى كل صغيرة أو كبيرة ، وكلام الجنيد يأتى فى المرحلة النهائية من التدرج فى المقامات الصوفية ، وهذا المقام يدل على أنه على قدر كبير من الحرية لأنه قطع فى الإيمان والعمل أشواطا ومجاهدات ، ينهيها بالتخلص من ــــــــــــــــــــــــ
1- الرسالة حـ 2 ص 461 .
2- السابق حـ 2 ص 462 .