بقي أن نشير إلى أن العلماء - خاصة كتاب الملل والنحل - عدوا العدد الوارد في هذا الحديث نطاقاً لمؤلفاتهم ، وربما تعسف بعضهم في تحديد عدد فرق المسلمين بثلاث والسبعين ، دون أن يراعي تتابع الزمان ، وظهور هذه الفرق وتنوعها بتنوع الأزمان والأمكنة ، لذلك فإن العدد الوارد في الحديث ليس قطعي الدلالة بأي حال من الأحوال، ذلك أننا يمكن أن نفسر تحديد العدد المذكور في الحديث بالتكثير ؛ لأن مفهوم العدد لا يعتد به عند أهل الأصول أولاً ، وثانياً أننا نلحظ ظهور الفرق من المسلمين ومن غيرهم عبر تتالي العصور ، وقد تعدى العدد السبعين ، ويمكن أن يتأول العدد المذكور بأن أصول هذه الفرق لا تخرج عن إطار السبعين ، ثم تفرعت عنها وتعدد بمرور الوقت .
وهناك أحاديث أخرى وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يمكن الإشارة إلى بعضها ؛ لأن غرضنا هنا ليس استعراض هذه الأحاديث ، وإنما غرضنا دلالة السنة على حدوث الافتراق ، وظهور بعض الفرق :
1. حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : (( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ، فقلت : يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر ، فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال : نعم ، قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم وفيه دخن ، قلت : وما دخنه ؟ قال قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر ، قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ، قلت : يا رسول الله صفهم لنا ، فقال : هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ، قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ، قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) (17) .