وهي خاصة العقل الصحيح وصفة الفطرة السليمة، وعليها قامت أحكام الشرع، فالشيء يعطى حكم نظيره، وينفى عنه حكم مخالفه، ولا يجوز العكس بحال: وهو أن يفرق بين متماثلين، أو يجمع بين مختلفين:
قال الله تعالى في ذم اليهود:"أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض" (القرة 85)، وذلك أنهم أغفلوا حكم التوراة في سفك الدماء وإخراج أنفسهم من ديارهم، وأقاموه-أي حكم التوراة-في مفاداة الأسرى، وكان الواجب عليهم إقامته في شأنهم كله.
القاعدة السابعة عشرة
هل على النافي دليل؟
إذا سأل المناظر خصمه عن شيء فأجابه ثم سأله عن دليله، فقال: لا دليل على خلاف ما قلت، فمن ادعى خلافه فعليه الدليل. أو قال: خلاف ما قلت لا يصح، وأنا نافٍ، وليس على النافي دليل.
فهل يكون مَن هذا وصفه مقيماً للحجة، يلزم الخصم الكلام عليه؟ جمهور العلماء على أنه لا يكون مقيماً للحجة.
والدليل أن النافي ينفي ما ينفي ليثبت نقيضه وعكسه، فقد ادعى الإثبات بنفي الحجة، وذلك نقض قوله.
القاعدة الثامنة عشرة
الاصطلاحات الحادثة لا تغيّر من الحقائق شيئاً
قد يستخدم المبتدعة بعض الألفاظ الحسنة يصفون بها ما هم عليه من العقائد الفاسدة، رجاء قبولها عند ضعفاء الناس وشيوعها بينهم، ويستخدمون في حق منازعيهم من أهل السنة الألفاظ الذميمة والألقاب الشنيعة تنفيراً منهم، وتحقيراً لعلومهم.
فأهل الكلام يسمون ما عندهم من الكلام عقليات وقطعيات ويقينات، ويسمون ما عند غيرهم من العلوم: ظواهر وظنيات.
ومحرفو الكلم عن مواضعه يسمون تحريفهم تأويلاً ليروج ويقبل، ومن المعلوم أن التأويل في استعمال القرآن هو العاقبة التي يؤول إليها الأمر، وفي عرف السلف: تفسير الكلام وشرح معناه.
والمعطلة للصفات يسمون نفي الصفات تنزيهاً وتقديساً وتوحيداً، ويسمون إثباتها: تجسيماً وتشبيهاً وحشوا ً، ويلقبون مثبتيها بالمجسمة والمشبهة والحشوية.
وكل هذه الاصطلاحات لا ينبغي أن تغير من الحقائق شيئاً.